لماذا حدث فتح الأندلس سريعًا في بدايات العصر الأموي؟

أسباب حدوث الفتح الإسلامي لبلاد الأندلس أو إسبانيا

من أسرع الفتوحات التي حدثت في الدولة الإسلامية هو فتح الأندلس ، فما اكتمل فتح بلاد المغرب العربي حتى شرع المسلمون في إرسال السرايا للأندلس، ولكن ما هي دوافعهم لذلك يا ترى؟ ولماذا حدث الفتح بتلك السرعة؟

0

قد حدث فتح الأندلس وفق الخطة التي كانت موضوعة منذ بداية الإسلام وهي تأمين حدود البلاد المفتوحة، وهذا ما ظهر جليًا في فتح بلاد الشام ثم تأمينها بفتح مصر ثم تأمينها بفتح بلاد المغرب العربي، وهكذا تطلع المسلمون لفتح بلاد الأندلس إسبانيا والبرتغال لتأمين حدود المغرب، وقد كان يفصل بينهم بحر الزقاق والذي قد تغير اسمه إلى مضيق جبل طارق نسبة لفتحه من قبل طارق بن زياد، وهذا إنجاز يخلده التاريخ لقائد عظيم ومغوار، وما تميز به فتح الأندلس هو السرعة والسهولة حيث اكتمل الفتح في غضون أربعة أعوام تقريبًا وهذا على النقيض من فتح المغرب الذي استمر قرابة السبعين عام، وأسباب الفتح الإسلامي لبلاد المغرب كثيرة ومختلف فيها، ولكنها في الأصل فكرة إسلامية تامة قد بدأت منذ عهد الخليفة عثمان بن عفان، وقد ساعدتها بعض العوامل في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك حتى تم فتحها في عهده.

لماذا قامت الدولة الأموية بفتح الأندلس؟

قد ذكرت أسباب عديدة دفعت المسلمين لفتح الأندلس، ولكن هذه الأسباب مختلف عليها من قبل المؤرخون، ونحن هنا سنوضح أهم وأصح هذه الأسباب وهي:

قوة المسلمين ومجدهم التليد

أحد أهم أسباب فتح الأندلس هو وصول المسلمين إلى أوج مجدهم وقوتهم، حيث أنه قد وصلت الفتوحات الإسلامية من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وهذا قد حدث في مدة قصير تقارب النصف قرن وهو أمر غير طبيعي قد أذهل العالم أجمع وجعله عاجزًا عن صد هذا الزحف الإسلامي الكبير، فمن الطبيعي وقتها أن يتطلع المسلمون إلى فتح الأندلس والتي كانت لا يفصلها عن إفريقيا سوى بحر الزقاق، وهو أمرًا سهل بالنسبة لمن قاموا بفتح المغرب العربي العنيد.

الأحوال الداخلية في إسبانيا

قد كانت الأحوال الداخلية في إسبانيا مضطربة ويوجد الكثير من الخلافات والصراعات على الحكم، فقد حدث انقلاب خطير على الحكم حيث انقلب لذريق على الملك غيطشة، وقد كان لذريق تابعًا للملك ويدعى الإخلاص له ولكنه فاجئه بهذا الانقلاب الخطير، فحدثت عدة حروب وصراعات جعلت أولاد الملك غيطشة يرغبون في الانتقام من الخائن الذي سرق العرش من أبيهم وحاول طردهم من البلاد، ولذلك كان هذا الوقت هو المناسب تمامًا لشن الغارات على بلاد الأندلس وضربه في نقاط ضعفه البارزة للعيان.

تعاون الكونت يوليان مع المسلمين

كان تعاون الكونت يوليان مع المسلمين هو أحد أسباب فتح الأندلس، حيث أن يوليان حاكم سبته كان على خلاف مع لذريق الملك الجديد ولا يتفق معه، وما زال يضمر الطاعة والتقدير للملك غيطشة المعزول، ويرى أن لذريق هذا هو مغتصب للعرش والسلطة الحقيقية لا تزال في يد الملك غيطشة، ولذلك سعى يوليان بالاتفاق مع أولاد غيطشة إلى إقناع المسلمين لفتح الأندلس، حيث أرسل أولاد غيطشة إلى يوليان رسالة مضمونها هو طلب المساعدة منه لاسترجاع العرش، وبالفعل ذهبوا إلى طارق بن زياد وطلبوا منه إمدادهم بجيش لفتح البلاد مقابل جزية يدفعونها للمسلمين، وأيضًا تخبرنا بعض الروايات أن المحادثة التي جرت مع المسلمين كانت بسبب اغتصاب لذريق لابنه يوليان، فقد تم اغتصاب ابنته على يد لذريق وهذا ما أثار حفيظة الأب وجعله يسعى للانتقام من هذا المجرم المتوحش، ولذلك تم الاتصال بالمسلمين، بجانب ما أوضحه من جمال الأندلس، وطيب مزارعها، وكثرة أزهارها وثمارها، وما تحتويه من جميع المنافع والمأكل، وذلك لتشويق موسى بن نصير بالفتح.

الحروب التي كانت جارية على السواحل

أحد أسباب فتح الأندلس هي الحروب التي كانت تجري على سواحل المغرب العربي، حيث قام الرومان بمناوشات عديدة على بعض الشواطئ الإفريقية مثل ميورقة ومنورقة وجزر البليار الجزائرية وسردانية، وما زاد الطين بلة هو انضمام الأسطول الروماني إلى أسطول القوط الجرماني، وعمل هذا التحالف على مضايقة المسلمون وترقبهم لأي خطر قد يأتي من قبلهم، وقد مل المسلمون من هذه المراقبة عليهم فجهزوا بعض الحملات لإجلاء المتحالفين عن المغرب، فتم الاستيلاء على ميورقة ومنورقة والبليار، وبعد هذا الاستيلاء السريع قرر المسلمون التوجه صوب بلاد الأندلس لكي يعززوا انتصارهم بتأمين كامل حدودهم.

فتح الأندلس يدعم المسير وفق خطى النبي الكريم

كان من أهداف النبي فتح الكثير من بلدان العالم لكي يدخل الإسلام هذه البلاد حتى لا يبقى على النبي أي شيء، وهذا ما سار عليه الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، ولذلك جاهدت الدولة الأموية لفتح المغرب ثم فتح الأندلس، وقد ذكرت قصة لعقبة بن نافع الفهري أثناء فتحه لبلاد المغرب عندما وصل إلى بحر الزقاق كان يأمل أن يفتح البلاد الأوروبية التي كانت خلف هذا البحر، ووقف بحصانه على مشارف البحر ودعا الله أن يعز الإسلام بهذا الفتح العظيم، ولذلك كانت فكرة الفتح هي لكي يتم حماية الحدود المغربية ثم مواصلة الفتح لما ورائها طالما في الجيوش الإسلامية القدرة على ذلك، فقام موسى بن نصير بضبط أحوال بلاد المغرب وإرساء قواعد الدين الإسلامي في قلوبهم وعقولهم، حتى أنضم الكثير من البربر إلى صفوف الجيش وكان أشهرهم القائد طارق بن زياد، وازدادت قوة الجيوش الإسلامية بذلك التعزيز، حيث أن البربر هم أقوام أشداء ويتحملون الصعاب والمخاطر، فقد صنف البربر أنهم أقوى الأقوام بعد المغول وذلك نظرًا لظروف بلادهم وطبيعة معيشتهم، ثم قام موسى بن نصير بتنظيم صفوف جيشه الجديد وأرسل أولى البعثات بقيادة طريف بن مالك في خمسمائة جندي فقط، ثم تبعها بحملة بقيادة طارق بن زياد في سبعة آلاف جندي، وهذه هي بداية فتح الأندلس.

إمداد الجيوش الفاتحة بالسفن والموارد

في الوقت الذي كان يفكر فيه موسى بن نصير بإرسال حملاته الأولى للأندلس أرسل الكونت يوليان رسالة يخبره فيها أن السفن التابعة له جاهزة لنقل الجنود من المغرب العربي إلى الأندلس، وهذا عرض مغري وجيد ولكن القائد موسى قابل هذا العرض ببعض المخاوف التي كانت تساوره في احتمالية وجود خيانة أو مؤمرة على المسلمين، فقرر عدم المجازفة وإرسال عدد قليل من الجند في البداية لكي يتفادى المجازفة الغير آمنة، ولكن قبل الإرسال كان يتوجب عليه استئذان الخلفية الأموي الوليد بن عبد الملك في هذا الأمر، فأرسل إليه يخبره بمجريات الأمور فتردد الوليد في بداية الأمر ولكن مع بعض الإقناع من قبل موسى بن نصير وافق الخليفة على هذه العملية ولكن بسرايا قليلة من الجنود حتى تثبت حقيقة الأمر أولًا، وبذلك تبدأ مراحل فتح الأندلس الأولى.

حب الخليفة الأموي لنشر الدين الإسلامي

في الفترة التي بدأ فيها الجيش الإسلامي التسلل إلى داخل الأندلس كان الخليفة حينها هو الوليد بن عبد الملك بن مروان وهو الخليفة الأموي السادس، وقد كان الوليد محب لنشر الدين الإسلامي وتعاليمه في كل بقاع الدنيا فأمر بفتح بلاد السند، وبلاد ما وراء النهر، وفي عصره قام بإمداد موسى بن نصير بجيش كبير يبلغ قوامه الأربعين ألف جندي لكي ينهي عملية الفتوحات الجارية في بلاد المغرب العربي، وبالفعل تم الانتهاء من إخضاع المغرب العربي كله في عهد الخليفة الوليد، ثم وجه نظره إلى بلاد الأندلس بعدما كان يتردد بعض الشيء وخاف على الجيش الإسلامي من أن يقع في فخ المسيحيين.

وخاصة أن الأندلس كانت في معزل تام فهي في أوروبا ووقتها لم يكن للمسلمين أي حكم في هذه القارة، فلذلك هي مجهولة بالنسبة للوليد ولكن بن نصير أراح فؤاد الخليفة وأعلمه بطبيعة الأمر وقدرة الجيش الإسلامي على إتمام هذا الفتح سريعًا، حتى وافق الوليد وأمر ببدء العملية الحربية بسرية تامة حتى مَّن الله عليه وعلى المسلمين بفتح شبه جزيرة أيبريا في أربعة سنوات فقط وهذا إنجاز كبير يحسب للقادة وجيوشهم أولًا ثم للخليفة ثانيًا.

وجود قادة عظماء على رأس الجيوش

من العوامل الهامة التي أسهمت في فتح الأندلس سريعًا هو وجود قادة عظماء على رأس الجيوش الإسلامية التي دخلت الأندلس، فالمشرف الأعلى على الفتح هو موسى بن نصير وهو في الأساس متم فتح بلاد المغرب العربي وهو من أكفأ القادة العسكريين، وكان يعاونه في هذه العملية طارق بن زياد وهذا القائد له أثر كبير في فتح الأندلس لدرجة أن بحر الزقاق الذي يقع بين إفريقيا وأوروبا قد سمي بمضيق جبل طارق، فيالها من منزلة عالية في الدنيا والثواب العظيم في الأخرة، وهو أيضًا قائد الحملة الثانية في حملات فتح الأندلس، وقد سبقه طريف بن مالك بحملة هي الأولى من نوعها على شبه جزيرة أيبريا ولكنها كانت قليلة العدد نوعًا ما فهي مكونة من خمسمائة جندي فقط، أما حملة طارق فكانت مكونة من سبعة آلاف جندي أغلبهم من البربر الأشداء.

وكان مع طارق القائد العظيم مغيث الرومي وهو الذي فتح قرطبة وقد كان قبلها مولى لعبد الملك بن مروان فأعتقه وأدخله في صفوف الجند نظرًا لقوته وحنكته العالية، ثم في الأخير خرج إليهم موسى بن نصير في جند كالسيل المنهمر حتى أتم فتح كل أراضي شبه جزيرة أيبريا وكاد يدخل فرنسا لولا أن طلب الخليفة منه الرجوع إلى دار الخلافة مسرعًا.

فتح الأندلس تأمين الفتح الإسلامي لبلاد المغرب العربي

في الحقيقة يعد فتح الأندلس عامل مشترك لحماية المغرب العربي من هجمات الروم التي ستأتي إليهم عن طريق سواحل البحر المتوسط، فقد كانت سياسة الخلافة الإسلامية بعد فتح بلد ما هو الاستقرار لعدة سنوات ثم البدء في تأمين حدودها عن طريق فتح ما يجاورها من بلاد، ولكن بشرط استقرار البلد المفتوحة أولًا وزرع مبادئ الإسلام في أهلها، وهذا ما حدث بعد فتح المغرب فقد عرض موسى بن نصير فكرة الفتح على الخليفة الوليد بن عبد الملك لكي يحمي البلاد من خطر الروم القادمين من البحر إلى سواحل البلاد مباشرة، بجانب تفادي حدوث أي خطر مفاجئ من قبل الأندلسيين.

ختامًا

في الأخير نود أن نوضح أن فتح المسلمين للأندلس هو في الأساس لم يكن بسبب ما قاله يوليان أو إغراء القائد موسى بن نصير بما يوجد في الأندلس من منافع وخيرات، ولكن عملية الفتح أساسها هو إدخال الدين الإسلامي لهذه الأراضي كما أمر النبي الكريم، وحماية حدود المغرب العربي من خطر الدولة البيزنطية، وكل ما عدا ذلك من أسباب فهي أسباب مباشرة ومساعدة على إتمام فكرة الفتح القديمة.

الكاتب: أحمد علي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

سبعة عشر − 9 =

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقاقرأ أكثر