لماذا ينتابنا الفتور تجاه الأشياء التي أصبحت في أيدينا؟

أسباب عدم الرغبة في الأشياء بعد النجاح في الحصول عليها

لماذا نشعر بحالة الفتور على الدوام من كل الأشياء التي تمنيناها بصدق كبير ولكن بمجرد ما أصبحت في أيدينا ماتت كل رغبة فيها، فما السر وراء هذه الحالة الغريبة من الشعور بالنفور تجاه الأشياء التي تمنيناها؟ الإجابة في السطور التالية.

0

الفتور إحدى الحالات الملازمة للإنسان ولا يصبح الإنسان إنسانا إلا لو كان يصيبه الفتور كل فترة، الفتور من كل شيء، من العلاقة العاطفية أو من ممارسة الهواية التي يحبها أو من العمل الذي يقوم به أو حتى من حياته ككل، وهو شعور طبيعي ويداهم أي إنسان ولكن تركيزنا في هذا المقال تحديدا على أن الإنسان ينتابه الفتور للأشياء التي ظل يتمناها بشدة وبمجرد أن تصبح بين يديه يجد الإنسان نفسه فقد اهتمامه بهذا الشيء، فكيف يمكننا أن نفسر حالة الفتور هذه؟ هذا هو محور حديثنا في السطور التالية:

الحرمان

الحرمان يجعل الإنسان يتمنى الشيء بدرجة كبيرة جدا، عدم امتلاكه الشيء يجعل هدفه كله أن يمتلك الشيء وكلما طال الحرمان كلما زادت رغبته حدة واشتدت وطأة وأصبح ينام يحلم بهذا الشيء ويستيقظ به ويمسي به ويصبح به وهكذا بالتالي الحرمان يضخم الأشياء ويجعل رغبتنا في الشيء جنونية وتكاد حياتنا تتوقف على هذا الشيء الذي إن حظينا به ربما ستتغير كل حياتنا.. بالتالي عندما نحوز هذا الشيء ويتلاشى هذا الحرمان لا نهتم بهذا الشيء كثيرا لأن كان الهدف من البداية لم يكن الشيء في ذاته وهذه هي أكبر خدعة، ولكن الهدف هو إنهاء الشعور بالحرمان، لذلك ينتابنا الفتور من الشيء نفسه.

السعادة في الرضا

لا أذكر من هو الكاتب الذي قال من قبل أن السعادة ليست عنوانا نذهب إليه بل السعادة طريق نمشيه إلى مالا نهاية، وأعتقد أنا أن السعادة الحقيقية في الرضا لأن الإنسان لو ظل طوال حياته يحاول الحصول على الأشياء سينتهي به الأمر غير سعيد بالتالي السعادة الحقيقية هو الرضا بالموجود لا السخط عليه أو التقليل منه، وكما قال الكاتب أن السعادة طريق بالتالي من يحسب أن السعادة عنوان بمجرد ما يبلغ العنوان ينتابه الفتور تجاه سعادته بإيجاد العنوان سريعا ولكن بعد فترة يتذكر مشقة الطريق، لذلك نقول أن السعادة هي الطريق ذاته فمن يهمل الطريق ويركز على العنوان يشقى.

النظر الدائم لما هو أعلى أو أكبر

ألا نلاحظ فعلا هذا الموضوع، من لديه سيارة طراز العام الفائت يريد طراز هذا العام ومن لديه طراز هذا العام يود طراز العام القادم ومن لديه طراز العام القادم يريد سيارة أكثر اتساعا، من لديه هاتف ذكي يريد هاتف أشد ذكاءً ومن لديه هاتف فائق الذكاء يريد هاتفا لوحيا بشاشة أكبر أو بإمكانيات أعلى وهكذا، ومن لديه شقة يريد فيلا ومن لديه فيلا يريد قصرا ومن لديه قصرا يريد ثلاثة قصور وهكذا.. إن من كان يتمنى شيئًا ووجده سينتابه الفتور تجاهه لأنه سيمد عينه لما هو أفضل منه وهذا الشخص غير قنوع على الإطلاق.

الفتور نتيجة الجشع لدى الإنسان

مثلما قلنا أن الفتور سببه الجشع، والجشع عند الإنسان شيئا أصيلا فيه لأن الإنسان لا يرغب في امتلاك شيء بعينه بل يرغب في الامتلاك ذاته، الإنسان دائما لا يحب إلا الامتلاك، السلطة لديه هو أن يمتلك أكبر قدر من الأشياء سواء ماديا أو عينيا بمعنى إن كان نقودا أو أجهزة أو عقارات أو أملاك أو أيا كان أو حتى عينيا بمعنى أنه يود امتلاك قلوب الناس وعلينا أن نلاحظ شخص مثلا كان يسعى بكل قوته للارتباط بفتاة ما أو حتى جذب انتباهها، ونقارن بعدها بستة أشهر بعد أن نجح هذا الشخص في مسعاه مثلا واستطاع أن يحوز قلبها بالفعل، علينا أن نقارن معاملته معها قبل الستة أشهر وبعدها، يبدو أنه لم يكن يحبها بالطبع ولكن كان يسعى لكسب قلبها والحصول على مسعاه فحسب أما هي فليست مهمة بالنسبة لديه للدرجة، وبالتالي ينتابه الفتور تجاهها وربما يحاول أن يتودد إلى أخرى للحصول على قلبها وهكذا.

اكتشاف الجوهر الخالي للأشياء

إن الفتور ينشأ عندما يشعر الإنسان أن كل الأشياء خالية من الجوهر، وأنه كان يجاهد كل هذا الوقت من أجل الحصول على شيء فارغ، في مثل هذه الحالة تنهار أصلا رغبة الإنسان في الحصول على الشيء ويصبح زاهدا في الحصول على الأِشياء لأنه يفكر في جدوى الحصول على أي شيء مهما كان كنهه، وما فائدة أن يسعى لأن يحوز شيئًا لأنه طالما حلم بأن يحظى بهذا الشيء ولطالما تمنى أن يصبح في حوزته وفي يديه وبمجرد أن أصبح كذلك لم يعد لديه رغبة وهانت في عينه تلك الفترة التي تمنى فيها حيازته وانتابه الفتور تجاهه.

الملل

إنه الملل، الإنسان ملول بطبعه، الإنسان على طول الخط مجرد شخص يشعر بالملل وأعتقد أننا لو طبقنا قانون نيوتن على الإنسان بأنه يبقى الجسم الساكن على حالته ما لم تطرأ عليه قوة تغير من وضعه.. إلخ، لوجدنا أن الإنسان كذلك لا يغير من حالته سوى الملل، فالملل هو الذي يدفعنا إلى القيام بالخطوات العظيمة مثل ترك الوظيفة أو تغيير مجال العمل أو تغيير مسار الدراسة أو غير ذلك، وحتى الأمور الصغيرة مثل تغيير محطة التلفزيون والقيام بطهي أكلة جديدة، وهو محاولة كسر الروتين بالتالي يمكن أن يسعد الإنسان بالشيء الذي تمنى أن يحوزه لفترة صغيرة ولكن بدافع الملل منه سينتابه الفتور بالطبع مثله مثل غيره، وربما سيبحث عن شيء جديد ليحاول الحصول عليه، نعم الملل قادرا على صنع مثل هذه الأشياء ولولا الملل ما كان الإنسان قد فكر في صنع شيء أصلا واتخاذ أي خطوات.

الأشياء التي تأتي متأخرة

للأسف هناك الكثير من الأشياء التي ننتظرها ولكن عندما تأتي تكون بعد فترة كبيرة من الانتظار لدرجة أننا نفقد شغفنا واهتمامنا بها ويصبح وجودها مثل عدمه، لأن كثرة الانتظار وطول الأمل كما ندري يجعلنا نمل وننسى أصلا لما نحن قد شغفنا بهذا الشيء من البداية أو حاز على اهتمامنا، بالتالي الفتور ينشأ لأن الأشياء تأتي متأخرة أو لأن الأشياء لا تأتي في موعدها أصلا، وكلما تأخر مجيئها كلما أصبح الإنسان أقل اهتماما بها وكلما انتابه الفتور والنفور منها.

ابتعاد الواقع عن تصورنا

ربما نظل نغذي تخيلاتنا طوال الوقت عن شيء ما ونظل نربطه بواقعنا طوال الوقت ونقول كم كان سيفرق هذا الشيء في واقعنا لو كان موجودا وأشياء من هذه القبيل، ومثال على هذا شخص مثلا يريد تعلم آلة موسيقية وقام بشرائها بالفعل وظل يتمرن عليها ولكنه لم يفلح في إخراج أي نغمة احترافية، لابد أنه سينتابه الفتور تجاه هذه الآلة رغم أنها قد تكون حلم حياته من الطفولة، لا لشيء ولكن لابتعاد الواقع تماما عن التصور الذي كان في رأسه عنها، لذلك نقول أن ليس كل الأشياء مثلما هي في خيالنا، الواقع في النهاية يلعب لعبته.

خاتمة

الفتور شعور طبيعي يشعر به الإنسان وله دوافع عدة، فهل من حق الناس أن يشعروا بالفتور فعلا؟ وهل الملل أو الحرمان أو هذه المشاعر هي المحركة لمشاعر الفتور هذه؟ نتمنى أن نكون قد أجبنا بشكل مشبع في السطور السابقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

عشرة − ستة =