الرئيسية العملي لماذا قناع فانديتا رمزاً للثورة ؟ وما خلفيته التاريخية ؟

لماذا قناع فانديتا رمزاً للثورة ؟ وما خلفيته التاريخية ؟

0
لماذا قناع فانديتا رمزاً للثورة

قناع فانديتا صار في الآونة الأخيرة لغزاً وكثرت حوله التساؤلات، بحثاً عن سر القناع الذي أغرق الأسواق منذ اشتعال ثورات الربيع العربي، وازداد اللغط حول ماهية قناع فانديتا بعد أن حظرت بعض البلدان استيراده تداوله، وهناك من لم يتمكن من إيجاد صلة واضحة تربط بين فكرة الثورة وهذا القناع، فما المقصود بـ قناع فانديتا وما علاقته بالثورات وكيف نشأ في الأسس؟!

 لماذا سمي قناع فانديتا بهذا الاسم ؟

مصطلح ” قناع فانديتا ” لم يُسمع به إلا في وقت قريب نسبياً، بينما القناع في الأصل يسمى ويُعرف باسم قناع جاي فوكس، نسبة إلى المتمرد الذي ابتكره وارتداه لأول مرة في نوفمبر عام 1605م، أما مصطلح فانديتا فهو مأخوذ أصلاً عن كلمة يونانية تعني الانتقام.

 قناع فانديتا والسينما :

قناع فانديتا الذي يعد القناع الأشهر في العالم في وقتنا الحالي، لم يكن أبداً كذلك قبل حلول عام 2005م، حيث شهد ذلك العام الظهور الأول لـ قناع فانديتا على شاشة السينما، من خلال الفيلم الأمريكي V for Vendetta للمخرج جيمس مكتيجيو، الذي استوحى أحداث الفيلم من أحد أعداد القصص المصورة التي حملت ذات الاسم، وقام بدور البطول به الممثل هوجو ويفنج وقام بأداء دور (V)، وهي الشخصية المحورية بالعمل التي ترتدي قناع فانديتا طوال الأحداث، أما شخصية إيفي هاموند موظفة الإذاعة التي تساعد (V) فقد أدتها ناتلي بورتمان، أما شخصية الرئيس الانجليزي آدم سالتر فقد أسندت إلى جون هارت.

تدور أحداث الفيلم في المستقبل القريب خلال عام 2032م، حيث يفترض مؤلف العمل أن بريطانيا قد تحولت إلى دولة شمولية قمعية، بعد أن وصل إلى سُدة الحكم الرئيس آدم سالتر المنتمي لأحد الأحزاب اليمينية المتطرفة، ولا يتصدى له إلا رجل واحد يتخفى أسفل قناع هو قناع فانديتا ،عازماً تحرير بني وطنه من قبضة ذلك الديكتاتور الظالم، منادياً بتحقيق مبادئ الحق والمساواة من جديد على أرض مدينة لندن، وتتصاعد الأحداث في قالب تشويقي إلى أن يتمكن ذو قناع فانديتا في نهاية الفيلم من تفجير مبنى البرلمان، وذلك في يوم 5 نوفمبر وهو التاريخ الذي تم اقتباسه من أحداث واقعية، حيث في ذات التاريخ من عام 1605م حاول مجموعة من المتمردين تفجير مبنى البرلمان الانجليزي، ويعتبر الفيلم هو السبب الأول في الشهرة العالمية التي اكتسبها قناع فانديتا كرمز للثورة على الظلم والفساد.

 أول من ارتدى القناع :

على الرغم من أن قناع فانديتا اكتسب شهرته مؤخراً، إلا أن تاريخ ظهوره الأول يعود إلى عام 1605م، وكان أول من ارتداه فرد مقاتل يدعى جاي فوكس، وذاع صيطه بالاسم الذي اتخذه بعد انضمامه لصفوف الأسبان وهو جيدو فوكس.. ويرجع أصل جاي فوكس إلى مدينة يورك القديمة الواقعة بشمال غرب إنجلترا، وحظى بقسط من التعليم بنفس البلدة التي وُلِد بها، وحين بلغ من العمر ثماني سنوات انتقل مع أمه إلى مكان آخر، التي تزوجت من آخر أحسن إلى جاي الصغير فأحبه، حتى أنه اعتنق الكاثوليكية تيمنناً بزوج أمه العطوف، وكان تغيير الدينا نقطة فاصلة في حياة جاي فوكس، وتعتبر بمثابة الخطوة الأولى بالنسبة له على طريق الكفاح، ونحو استخدامه للقناع الذي عُرِف بعد عقود طويلة باسم قناع فانديتا

 حرب الثمانين عاماً :

بعد اعتناق فوكس – صاحب قناع فانديتا – للكاثوليكية قام بالانضمام إلى صفوف الأسبان، وشارك بجانبهم في الأراضي المنخفضة “هولندا” ضمن حرب الثمانين عاماً، التي خاضتها مجموعات متمردة ضمن سبع عشر محافظة، ضد سلطة الملك الإسباني فيليب الثاني رافضة استمرار النظام الملكي في هولندا، حيث كان الشعب يعاني من استبداد الملك وفرضه للضرائب الباهظة عليهم، وقد كان ذلك هو السبب الرئيسي في اشتعال ثورة الثائرين ضده، خاصة مع رفضه التام للتفاوض معهم أو مجرد الاستماع لمطالبهم، وقد استمرت هذه الحرب طيلة الفترة ما بين 1568م و1648م، وانتهت بانتصار الحركات المتمردة على الملك وإعلانهم تأسيس الجمهورية الهولندية، وتخلصهم من تبعيتهم لإسبانيا واستقلالهم التام عنها.

 بداية قناع فانديتا :

معاناة الشعب الإنجليزي في ذلك الحين لم تكن تختلف كثيراً عما يحدث في الأراضي المنخفضة “هولندا حالياً”، الذي فور توليه السلطة في عام 1603م عمد إلى فرض قوانين الحظر، كما كان مضطهداً للكاثوليك ففرض عليهم الغرامات وشن ضدهم حمالات اعتقال واسعة.. بعدما شهد جاي فوكس ما يلقيه شعبه على يد حاكمه الملك جيمس الأول، عاد إلى رفقاء الكفاح في إسبانيا طالباً منهم مده بالعون، ليقوموا معاً بقيادة تمرد كاثوليكي آخر على أرض إنجلترا، لكنهم خذلوه ولم يلق طلبه قبولهم ولم يجد منهم عوناً، لكنه لم يعد صفر اليدين إذ التقى هناك بثائر إنجليزي يدعى توماس وينتور، أفكارهم المتشابهة قاربت بينهما وعادا معاً إلى ديارهم في إنجلترا، ومن خلال توماس وينتور تعرف جاي فوكس على الضلع الثالث في مثلث تمردهم، وهو رجل يدعى روبرت كاتسبي الذي لم يكن يقل عنهم حماساً، وكان صاحب فكرة القضاء التام على الحكومة الإنجليزية في ذلك الوقت، وبعد اغتيال جيمس الأول يتم تولية العرش لابنته إليزابيث ذات السنوات السبع، وذلك بالطبع سيكون مجرد إجراءً صورياً بينما يكونوا هم الحكام الفعليين للبلاد، ولاقت الفكرة استحسان مجموعة بالكامل التي انضم إليها آخرون، أمثال فرانسيس تريشم وكريستوفر رايت وجون جرانت وغيرهم بجانب السير أمبروز روكوز، واقترح جاي فوكس فكرة ارتداء قناع لإخفاء هويتهم أثناء قيامهم بالمهمة.

 مؤامرة البارود :

الخطة التي وضعها جاي فوكس مع كاتسبي ووينتور والسير روكوز، كانت تقتضي نسف مبنى مجلس اللوردات (مجلس النواب حالياً) أثناء افتتاح الملك له، وبذلك يكونوا قد تخلصوا بضربة واحدة من جميع العناصر المُشكلة لنظام الحكم، وبالفعل قاموا بشق سرداب يمر من أسفل البرلمان الإنجليزي، وفي يوم 5 نوفمبر 1605م المحدد لتنفيذ المجموعة لما خططته، تم تسريب 36 برميل من البارود عبر السرداب ووُضِع أسفل قاعدة مبنى البرلمان تماماً، وكانت مهمة حراسة البارود من نصيب جاي فوكس الذي اتخذ موقعه مُقنعاً بـ قناع فانديتا ،في انتظار حلول ساعة الصفر ليقوم بإشعال الفتيل وتدمير المبنى بالكامل، إلا أن السلطات الإنجليزية تلقت خطاباً غير موقع، يخبرهم كاتبه بتفاصيل المؤامرة التي تحاك حولهم وعن وجود السرداب، وبالفعل انتشرت قوات الحرس بمحيط مبنى البرلمان وتمكنوا من إيجاد السرداب، ومن ثم تم إلقاء القبض على جاي فوكس قبل إشعاله فتيل شحنته المتفجرة.

 النهاية :

بعد خلع قناع فانديتا وكشف هوية جاي فوكس تم اقتياده إلى قلعة برج لندن، وهناك مورست ضده كافة أنواع التعذيب في محاولة لاستنطاقه، لكن جاي فوكس ظل متمسكاً بصمته طيلة 6 أيام ولم يفش أسرار أعوانه، لكنه تحدث بعدما بلغته أخبار الإيقاع بالمجموعة بأكملها، فاعترف بما كان ينتوي فعله وأقر باسماء من ساعدوه، وفي 31 من شهر يناير 1606م تم تنفيذ حكم الإعدام ضد جاي فوكس، ورحل عن العالم تاركاً خلفه قناع فانديتا الذي اتخذ فيما بعد رمزاً للتمرد على الفساد..

جدير بالذكر أن منذ ذلك الحين يحتفل الإنجليز سنوياً بيوم 5 نوفمبر، باعتباره ذكرى فشل مؤامرة البارود أو مؤامرة جاي فوكس، فيخرجون إلى الشوارع وينشدون الأناشيد الوطنية وتتألق سماء لندن بالألعاب النارية.

Exit mobile version