لماذا تعتبر فريدا كاهلو من أكثر الشخصيات إلهاما في التاريخ؟

أسباب اعتبار متحدية الإعاقة فريدا كاهلو رمزًا ملهما في التاريخ

فريدا كاهلو واحدة من أشهر الرسامات في العالم إن لم تكن أكثر الشخصيات إلهاما لأجيال متعاقبة من الفنانين أو الشباب، فما السر وراء احتلال فريدا كاهلو هذه المكانة حتى بعد وفاتها بأكثر من 60 عاما؟ في هذا المقال نجيب على هذا السؤال.

0

ربما يولد الفن من رحم المعاناة فعلا، ربما فريدا كاهلو واحدة من أكثر الشخصيات التي تعتبر تجسيدا لهذا، فريدا واحدة من أشهر الرسامين في القرن العشرين إن لم يكن في تاريخ الفن بأكمله، ولدت في يوليو عام 1907 وتوفيت عام 1954 بعد سبع وثلاثون عاما من المعاناة قد تحسبها قليلة ولكنها مرت عليها بالطبع كقرون لأن حياتها كانت حافلة بالمسرات والأحزان ولكن مع جرعة أكبر من الأحزان، فلماذا فريدا كاهلو تعتبر من أكثر الشخصيات إلهاما في التاريخ إلى هذا الحد؟ هذا ما سنتحدث عنه.

تحدي الإعاقة

ولدت فريدا كاهلو في منزل أبويها في المكسيك وقد شملاها بالعطف والحنان رغم تعدد شقيقاتها وأشقائها ولكن في عمر الست سنوات أصيبت بشلل الأطفال مما نتج عنه ضمور في ساقها اليسرى واعوجاج دائم كانت تتحايل عليه بلبس الفساتين الطويلة باستمرار أو ارتداء الجوارب الصوفية أسفل الفساتين في الصيف، وحرمها هذا رغم ذلك من الاشتراك في الأنشطة المدرسية فشعرت أنها طفلة منبوذة وساعد هذا أكثر ف تميز شخصيتها والتمحور حول ذاتها أكثر فيما بعد وهذا ما سنلمسه في فنها.

اضطرارها للتمدد لمدة عام كامل

في حادث سير أصيبت فريدا كاهلو بواحدة من أسوأ الإصابات حيث دخل سيخ حديد في فخذها ونفذ إلى الناحية الأخرى وأصاب الفقرات القطنية فضلا عن الكدمات والكسور الأخرى مما استدعى أن تظل في الجبس متمددة لا تتحرك لمدة عام كامل مستلقية على السرير وبسبب ذلك أرادت أمها الترفيه عنها فوضعت لها مرآة في سقف غرفتها فظلت تنظر إلى نفسها لمدة عام كامل.

زوال حلم الطب وتحولها للرسم

بسبب إصابتها هذه أصبح الطب حلما بعيد المنال وصار من المستحيل استكمال دراسة الطب مرة أخرى ولما كانت تنظر إلى هيئتها لمدة عام كامل قررت التحول للرسم ولم ترسم سوى نفسها، حيث ظلت ترسم بورتوريهات لها بأشكال مختلفة وبطرق متعددة ولكنها في النهاية كانت أكثر رسوماتها عبارة عن بورتوريه ذاتي لها.

الذاتية المفرطة كوسيلة لفهم العالم

لم تكن فريدا كاهلو نرجسية بل كانت مفرطة في الذاتية بمعنى كانت مغرقة في ذاتها حتى نهاية عمرها وذلك لشد ما كانت انطوائية ومنعزلة وتشعر أنها طفلة مختلفة وكذلك شابة ولذلك أتت معظم لوحاتها على هيئة رسم بورتوريهات لها، وعلى الرغم من تصنيف النقاد لها كفنانة سوريالية إلا أن فريدا ترفض هذا التصنيف وكانت دائما ما تقول أن رسوماتها مفرطة في الواقعية أي أنها كانت ترى الواقع تماما كما كانت ترسمه ومن أشهر اللوحات التي رسمتها لنفسها، لوحة الفريدتين ولوحة العمود المكسور ولوحة دييجو وأنا ولعل ذلك ما جعلها تشتهر لأن هوس فريدا بنفسها بشكل صادق وفريد جعلها من أشهر الرسامين وملهمة لكافة الفنانين في العالم ومرة كنت أجلس مع رسام سوري نزح إلى مصر بعد الأحداث الأخيرة وكان يرسم لوحات ما بعد حداثية غريبة نوعا ما بخطوط فوضوية وعناصر اللوحة غير متناسقة ولكن تبدو متجانسة فأردت استعراض ثقافتي عليه خصوصًا أنني كنت قد اهتممت في فترة مبكرة من مراهقتي بفنون عصر النهضة وغيرها وبدأت أسرد أسماء فنانين حفظت أسماءهم بصعوبة من أجل موقف كهذا فوجدته يحبطني قائلا: “لا أعرف كل هؤلاء الفنانين، لا أعرف سوى فان جوخ وفريدا كاهلو فقط” وعندما كنت أتشبث بأي أسماء من أجل أمل أخير في تواصل متكافئ حول الفن فوجدته يصر على فان جوخ وفريدا فسألته ولم فريدا؟ (كنت أخذت فكرة سطحية عنها من قبل) فأجاب: “لأنها الوحيدة التي جعلتني لا أخجل من تصوير عذاباتي الشخصية بفني وبطريقة التي أراها أنا فقط صالحة لهذا.”

دييجو قصة حب ملحمية بنهاية مأساوية

أحبت فريدا كاهلو أستاذها دييجو ريفييرا الذي كان يكبرها بعشرين عام، أعجبت بفنه ثم أعجبت به بعد ذلك وتزوجته، كانت قصة حب ملحمية فعلا إلا أنها ضاقت بخياناته المتكررة حتى مع تلميذاته وصديقاته وصديقاتها، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فخانها أيضًا مع أختها الصغيرة وأتخيل أن ضيق فريدا بهذا الأمر بسبب جوهر الخيانة الزوجية بالطبع ولشعورها العميق بعدم كفايتها لزوجها وعدم شعوره بالحب تجاهها وأنه يراها بشكل آخر الآن وهذا ما عبرت عنه من خلال لوحتها “الفريدتين” حيث رسمت بورتوريه مزدوج لها أحدهما بالملابس المكسيكية الشعبية وبقلب سليم وفي يدها مجسم صغير لدييجو طفلا والآخر بالملابس التي تعود إلى العصر الفيكتوري وبقلب مهترئ وهالك وتسيل منه قطرات دماء على ملابسها.

حلم الحمل المُجهض

كان حلم الحمل لدى فريدا كاهلو يحيا بداخلها إلا أنه صار ميؤوسا منه بعد العمليات الجراحية التي أجرتها وبسبب اعتلال جسدها من الحوادث التي تعرضت لها على مدار حياتها وقد أجهضت ثلاث مرات وعبرت عن هذا الحمل المجهض ببورتوريه لها وهي نائمة على السرير ووجهها مغطى بشرشف ويخرج منها طفل يشبهها وقد جمعت في هذه اللوحة ما بين مأساتها باستحالة حملها وبحزنها على أمها التي ماتت قبل فترة قليلة من إجهاضها.

إسقاط مقاييس الجمال المتعارف عليها

استطاعت فريدا كاهلو أن تسقط مقاييس الجمال المتعارف عليها وقواعد الأناقة الأرستقراطية ورسمت جميع بورتوريهاتها الذاتية بحاجبين ملتصقين وبشارب خفيف يعلو شفتيها وبذلك أعرض عنها تجار الفن الذين كانوا يلتقطون لوحات الفنانين من أجل تعليقها في بيوتهم كديكور دون تقدير لمحتوى هذه اللوحات ولكنها اقتربت من الطبقات الوسطى والدنيا لمطابقة لوحاتها بشكل فني لواقع حياتهم.

رقة لوحات فريدا كاهلو رغم الألم البادي فيها

رغم الألم البادي في جميع لوحات فريدا كاهلو إلا إننا لا نجد صعوبة في ملامسة الرقة التي تبدو جلية في لوحاتها، خصوصا اهتمامها بالملابس التي كانت ترتديها في لوحاتها واهتمامها بتطريزها كما لو كانت مصممة أزياء محترفة ودمجها بين عدة ثقافات في بعض اللوحات من أجل رمزية ما تقصدها ومن أجل بقاء الجوهر الأنثوي بداخلها، ولذلك استطاعت فريدا كاهلو أن تصبح رمزا للموضة بعد وفاتها بأعوام.

حياة كاملة من المعاناة

عاشت فريدا كاهلو حياة كاملة من المعاناة ما بين مرض جسدي وخيانات زوجية وآلام روحية شديدة وشعور بالاختلاف عن أقرانها بالإضافة لعقيدتها الشيوعية التي كانت تجلب لها المزيد من المتاعب مما جعلها رمزا للمعاناة والألم في الحياة البشرية وقد جسدت كل هذا الفنانة سلمى حايك في فيلم خالد وأيقوني حمل اسمها “فريدا” في العام 2002، وشاركها البطولة إدوارد نورتون وأنتوني بانديراس ليلقي الضوء أكثر على حياة امرأة حفرت اسمها غائرا في التاريخ لا عن طريق لوحاتها فحسب ولكن بحياتها التي جسدت المعاناة والألم في جميع مراحلها.

انتحار فريدا كاهلو

في أواخر أيامها اشتد المرض عليها جدا وعبرت عن هذا أيضًا بلوحة لها وهي نائمة على السرير وإجبارها على الطعام من كتلة كبيرة فوق رأسها يمتد منها أنبوب لفمها وهذه الكتلة عبارة عن أطعمة متداخلة تشبه الأعضاء البشرية وفوقها جمجمة، أغلب الروايات تقول أنها انتحرت بجرعة زائدة من الأدوية ولكن جثتها لم تشرّح أبدا لتطوي حياتها التي كانت مليئة بالآلام والأحزان.

خاتمة

فريدا كاهلو واحدة من أشهر وأعظم الشخصيات في العالم ومثلت بالفعل حياة الإنسان بمسراته وأحزانه وبتناقضاته ومخاوفه وجميع جوانبه بشكل مكثف، ومن حقها أن تظل تحت الأضواء كرمز لهذه المعاناة حتى ولو بعد وفاتها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

6 + تسعة عشر =