لماذا تمثيل الأطفال أكثر صعوبة من الكبار في السينما؟

أسباب عدم سهولة دخول الأطفال لمجال التمثيل السينمائي أو التلفزيوني

تمثيل الأطفال كما يعرف الجميع نوع التمثيل الأصعب تأديةً في العالم، وهذا الأمر يُمكن ملاحظته بسهولة شديدة من الأفلام التي نشاهدها، فلماذا يا تُرى؟ وهل هذا الأمر يؤثر على أعداد الأفلام التي تحوي أطفالاً فيها؟

0

يُعتبر تمثيل الأطفال أكبر دليل على أن مهنة التمثيل ليست سهلة بالمرة، وأن ثمة الكثير من الصعوبات التي تتواجد بها، فإذا سألت أي مُخرج يُشرف على تنفيذ الأفلام فسوف يُجيبك بلا تردد أنه يُعاني الأمرين ويُجاهد لشهور حتى يخرج في النهاية بفيلم صغير لا تزيد مدته عن الساعة والنصف، لكن إذا أردت منه تحديد أكبر لهذه الصعوبة فسوف يُخبرك بأنه يجد صعوبة شديدة في الخروج بالمشاهد التي يؤديها الأطفال، فتمثيل تلك الكائنات الصغيرة الرقيقة أصعب شيء يُمكن أن يواجه أي شخص يعمل بهذا المجال، وعلى الرغم من ذلك نجد أن البعض يعتقدون النقيض تمامًا، وأن سهل شيء يُمكن أن تفعله في مجال السينما أن تأخذ مشهدًا من طفل صغير، ولكل هذا، ولكي نستطيع إزالة ذلك اللبس، دعونا في السطور القادمة نتعرف سويًا عن تمثيل الأطفال ولماذا يُعتبر حقًا نوع التمثيل الأكثر صعوبة في العالم، فهل أنتم مستعدون للبداية مع العامل الأول أو السبب البديهي لهذا الأمر؟

صعوبة التصنّع من قِبل الأطفال

طبعًا من المعروف للجميع أن التمثيل يعني شعور زائف وغير حقيقي بالمرة، فالشخص الذي يؤدي دور القاتل مثلًا هو في الحقيقة ليس قاتلًا، وربما ليس بإمكانه أن يُصبح كذلك في يومٍ من الأيام ولن تسمح له الظروف بذلك، لكن بالرغم من هذا نجد أن الممثل المؤدي للشخصية قادر جدًا على التصنع وتأدية الدور حتى يُمكنك مشاهدته والتصديق بعد ذلك بأنه قاتل حقيقي، والحقيقة أن ذلك هو الهدف الأسمى من التمثيل، أن يتم نقل حياة غير واقعية لك وتقوم بتصديقها وكأن واقعية، فهو أمر ممتع بكل تأكيد، لكن دعونا من كل هذا، ما يعنينا الآن أن ما يُمكن أن يقوم به الممثل العادي البالغ الكبير من تصنع لا يُمكن أن يقوم به الطفل، أو على الأقل لن يقوم به بالصورة التي نتخيلها.

صعوبة تمثيل الأطفال تنبع من كون الأطفال قبل سن معين يكونون كائنات ملائكية بحتة، تراهم دائمًا في حالة صدق مع أنفسهم وغيرهم، يعتقدون أن كذبة واحدة صغيرة قادرة على قلب العالم بأكمله، لذلك فإنك عندما تطلب منهم تصنع شخصية ما ليس لها أي وجود فسوف يكون الأمر بالنسبة لهم حمق كبير، وحتى ولو حاولوا فعل ذلك فسوف يجدون الفشل في انتظارهم لأنهم ببساطة يُخالفون طبيعتهم، وهذا هو السبب الأبرز الذي يجعل من تمثيل الأطفال أمر صعب.

صعوبة التجاوب مع تعليمات المخرج

من المعروف طبعًا أن رئيس جمهورية الفيلم هو المخرج، فهو الذي يقوم بتوجيه الطاقم بأكمله من أجل الخروج في النهاية بأفضل صورة ممكنة، ومن ضمن هؤلاء الذين يقوم بتوجيههم الممثلين، والذين طبعًا يتجاوبون مع التعليمات بصفتهم أشخاص بالغين مدركين لما يُقال لهم، لكن عندما يتعلق الأمر بالأطفال فإن الوضع يكون مختلفًا تمامًا، حيث يجدون صعوبة بالغة في التجاوب مع هذه التعليمات أو حتى إدراكها، وهذا ليس لعيب فيهم بالتأكيد، فهم في النهاية مجرد أطفال، وهذا يعني أنه من الطبيعي تمامًا أن يجدون صعوبة في فهم تعليمات ومصطلحات خاصة بالكبار، تخيلوا يا سادة أن هناك أطفال يقومون بتأدية أدوار وهم في سن الخامسة، ما الذي ننتظره أصلًا في طفل بهذا السن؟

المخرج لا يكون طبعًا متسامحًا ومتساهلًا طول الوقت، فعندما يُخطئ الطفل أكثر من مرة فسوف ينقلب ذلك الشخص الباسم في وجههم إلى شخص آخر عبوس دائم الصراخ، وهو ما سيؤدي طبعًا إلى زيادة التوتر أكثر وأكثر، ثم تتضح في النهاية تلك الحقيقة التي نتحدث عنها، وهي صعوبة تمثيل الأطفال في ظل هذه الظروف العصيبة بعض الشيء، وأكبر دليل على ذلك أن عدد قليل جدًا من الممثلين الأطفال هو من يجد النجاح، أما الباقي فيفشل وينتهي الأمر معه مبكرًا.

صعوبة تقبل النجومية وتسليط الأضواء

عندما تسأل أي شخص عن أكثر الفئات شهرة في هذا العالم فسوف يُرشدك بلا شك إلى الممثلين ولاعبين كرة القدم، فهذان النوعان بالذات يحظيا بشهرة كبيرة ويعرفهما للجميع، وذلك كنتيجة لكون الناس بالغالب يقضون أوقات فراغهم إما بمشاهدة المباريات أو الأفلام، وإن جئنا للحق فإن هذه الفئات فعلًا تصل إلى الناس وتمنحهم أكثر شيء يرغبون في الحصول عليه، المتعة، لكن فيما يتعلق بالأطفال فإن الأمر قد يأتي بنتيجة عكسية عليهم، بمعنى أن تلك النجومية لا تمنحهم الحرية التي من الطبيعي أن يتحلى بها أي طفل، عندما يخرجون إلى الشارع سوف يبدو لهم حب الناس وإشارتهم لهم وكأنه نوع من أنواع المضايقة، هؤلاء هم الأطفال، وهذه هي عقولهم وتفكيرهم.

في البداية سوف يبدو الأمر مدهشًا لهم لأنه جديد نوعًا ما، بعد ذلك سيُفكر الأطفال في السبب الذي يجعل هؤلاء المُعجبين يُلاحقونهم ويرغبون دائمًا في التقاط الصور لهم، وعلى عكس ما تظنون فلن يكون الأمر سهلًا لإدراكهم، وشيئًا فشيئًا سيشعرون بالضجر، وكل هذا يصب في النهاية لمصلحة الأمر الذي نتحدث عنه من البداية، وهو صعوبة تمثيل الأطفال، حتى ولو كانت النقطة متعلقة بما هو بعيد عن التمثيل كالحياة الشخصية.

عدم إدراك الأطفال لرسالة الفن

الفن، أو التمثيل كما يعرفه الجميع، ليس مجرد تأدية لدور ما وتقمص شخصية ما، فلو كان الأمر بهذه السهولة لكان من الممكن جدًا أن نرى أعداد كبيرة جدًا من البشر يُطلقون على أنفسهم فنانين، لكن الفن رسالة قبل كل شيء، ولكي تؤديها على أكمل وجه يجب عليك أولًا أن تعي معانيها، وهذا بالتأكيد لن يتوافر مع الأطفال صغار السن، فهم عندما يُمثلون في فيلم ما غالبًا ما لا يعرفون أي تفاصيل عن ذلك الفيلم الذي يُمثلون فيه، لا يعرفون القصة أو الهدف المرجو خلف هذا الفيلم، هم فقط يمثلون المشاهد التي تُطلب منهم، وربما لا يعرفون هذه المشاهد إلا في لحظة الإعداد للمشهد، أي قبل ساعات قليلة، وبالتالي بعد تأدية المشهد بدقائق سوف يبدو وكأنه لم يكن، هذا هو تمثيل الأطفال على الأغلب.

رسالة الفن، أو إذا خصصنا وقلنا رسالة الفيلم، تُسهم كثيرًا في تحسين أداء الممثل حالة إدراكه لها كاملة، لكن عندما يكون الطفل غير مُدرك تمامًا للرسالة فإن تمثيله سوف يبدو جامدًا، ثم أنه لن يفهم أصلًا الهدف من شخصيته ولماذا تواجدت في الفيلم من الأساس، وكل هذه أشياء بالطبع من شأنها أن تجعل العمل يخرج في صورة أفضل، وإذا لم تكن موجودًا فسوف يظهر العمل وكأنه غير مُكتمل، ولهذا نقول إن تمثيل الأطفال أكثر صعوبة بكثير من الكِبار.

عدم القدرة على الربط بين الدراسة والتمثيل

مما لا شك فيه أننا عندما نتحدث عن القرن الحادي والعشرين في دولة تهتم بالسينما للدرجة التي تجعلها تُشرك الأطفال فيها فلن يكون هناك أي طفل بمثل هذا المكان غير خاضع للعملية التعليمية، وهنا تكمن المشكلة التي تجعل من تمثيل الأطفال أمرًا صعبًا بعض الشيء، تلك المُشكلة تتمثل في عدم قدرة هؤلاء الأطفال على الربط بين الدراسة والتمثيل، أو التوفيق بينهما وإعطاء كل جانب منهما القدر الذي يستحقه من الاهتمام، فإذا استمعنا مثلًا لتجارب بعض الممثلين الأطفال فسنجد أنهم يتغيبون عن دراستهم ثلاث أيام على الأقل في الأسبوع، فالسينما تُلزمه بتصوير بعض المشاهد الخارجية التي تتم في الصباح، والصباح دائمًا ما يكون وقت المدرسة، وهنا تحدث المشكلة ولا يتم التوفيق بين المجالين.

بعض الممثلين من الأطفال يقضون سنوات دراستهم في تخبط حتى المرحلة الثانوية ثم يلتحقون بمعاهد السينما والتمثيل، وبهذه الطريقة يستطيعون الربط بين المجالين لأنهم يدرسون ما يعملون به، لكن هذا لا يحدث في كل الحالات، فالبعض الآخر يُدرك مبكرًا صعوبة التوفيق بين الأمرين فيُقرر الاستغناء عن أحدهما، وعادة ما تكون التضحية بالتمثيل وتفضيل الدراسة لكونها الشيء الثابت في حياة أي شخص مهما كانت قدراته.

وجود مشاهد يصعب تمثيل الأطفال لها

فلنفترض أن ولي الأمر قد وافق على مشاركة طفله في أحد الأعمال السينمائية، لكن ذلك الأب يتمسك بالمبادئ والأخلاق إلى أبعد حدٍ ممكن، ولذلك فإنه سيرفض بالتأكيد المُشاركة بطفله في فيلم غير نظيف مما يُصعب في النهاية مهمة تمثيل الأطفال برمتها، ونُدلل على ذلك بفيلم مصري شهير يُدعى حلاوة روح، فهذا الفيلم تقوم فكرته في الأساس على وجود طفل يتلصص على امرأة طوال أحداث الفيلم، وطبعًا فيلم مثل هذا عن يقوم بتأديته طفل صغير فإنه يتسبب في إفساد الأخلاق العامة للطفل والأطفال الذين سيقومون فيما بعد بدور المُشاهد، فقط تخيلوا أنه ثمة طفل يرى طفل آخر يرتكب فعل فاضح مثل هذا دون أي مُحاسبة، هل سيكون الأمر عاديًا بالنسبة له؟ بالتأكيد لا، فإذ لم يفعل مثله على الأقل سيتبادر إليه شعور بأن هذه العادة ليست مُحرمة أو خاطئة كما كان يعتقد.

نفس الأمر ينطبق على نوعية المشاهد التي يُطلب من الأطفال تأديته وتكون مُتعلقة بالديانة مثلًا، فليس من المعقول أبدًا أن يأتي طفل ويؤدي مشهد يهين أحد الأديان ثم نقول إنه في النهاية مجرد طفل، فذلك الطفل المجرد لا يعرف أصلًا ما الذي يفعله بالضبط، ناهيكم عن الأطفال المُشاهدين لن يتوانوا كما ذكرنا عن تقليده أو الاقتناع المُطلق بما يُشاهدوه لأنه صدر من طفل مثلهم، وهذه هي أخطر الأسلحة التي يُمكن استخدامها في السينما على الإطلاق.

إضعاف فرصة المواصلة بعد مرحلة الطفولة

طبعًا الطبيعي في التمثيل أن يبدأ الممثل مثلًا بعد سن العشرين ثم يستمر حتى اليوم الأخير في حياته، هذا ما درج عليه الناس قبل أن يدخل الأطفال هذا العالم، لكن صدقوا أو لا تصدقوا، يُعجب المشاهد جدًا بتمثيل الأطفال ويُحبه، لكن عندما يكبرون ويبدؤون في تمثيل أدوار الكبار فإنه لا يتقبلهم أبدًا، وهذه ليست قاعدة شاذة لبعض المشاهدين وإنما شبه طبيعة في الجميع، فذلك الطفل الذي رأيته يُمثل منذ سن السادسة عندما يكبر ويُصبح في السادسة والعشرين من عمره لن تتقبله أو تُحبذ مشاهدته، سوف تظل محتفظًا بنفس صورته القديمة كطفل، وأكبر مثال على ذلك الممثلة المصرية منة عرفة، والتي بدأت التمثيل منذ سن السادسة وكانت واحدة من النجوم، لكن، عندما أصبحت الآن في سن الثامنة عشر وتغيرت ملامحها لم يعد الجمهور يتقبلها ولم تعد الأعمال تُعرض عليها مثلما كان الحال في السابق، هذه سنة الحياة وسنة تمثيل الأطفال الذي نعترف جميعًا بصعوبته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

16 + 13 =