لماذا تفكك الاتحاد السوفيتي بالرغم من قوته العظمي؟

الأسباب التي أدت إلى انكسار شوكة الاتحاد السوفيتي في أوج قوته

تفكك الاتحاد السوفيتي بلا شك أحد أهم المعضلات التي حدثت خلال القرن العشرين ووقف العالم أمامها حائرًا، الجميع كان يسأل نفس السؤال، لماذا تفكك الاتحاد السوفيتي رغم أنه كان من القوى العظمى في العالم وقتها.

0

طبعًا لا يحتاج الأمر إلى كثيرٍ من المقدمات كي نقول بأن تفكك الاتحاد السوفيتي نهاية القرن العشرين كان بحق أحد أهم الصفعات التي وجهها هذا العالم المُلتهب إلى التاريخ الذي دائمًا ما يُمسك قلمه مُتأهبًا للتدوين، لكن في هذه الحادثة بالذات كان الأمر جللًا بحق، فلم يكن هناك أي كيان في العالم قادر على مقارعة الاتحاد السوفيتي قبل تفككه، حتى الولايات المتحدة الأمريكية نفسها لم تكن بقوته، وكل ما وصلت إليه الآن سببه الأول والأخير هو ذلك الانهيار العجيب، والذي بالطبع له أسبابه، لكنها أسباب لم تكن تخطر في الحسبان عندما كان السوفيتيين يُحكمون قبضتهم على العالم، عمومًا، ما مضى انقضى، ونحن الآن نتحدث عن واقع لا غبار عليه، وهو أن كيان الاتحاد السوفيتي قد انهار وتفكك، لكننا بكل تأكيد لا نمنع أنفسنا طوال الوقت من إبداء دهشتنا مما حدث والسؤال عن أسبابه، وهذا بالضبط ما سنحاول فعله في السطور القليلة المُقبلة، حيث الإجابة على ذلك السؤال وقطع الشك باليقين.

الخسائر الفادحة خلال الحرب العالمية الثانية

مما لا شك فيه أن تفكك الاتحاد السوفيتي جاء كنتيجة للكثير من الأسباب، لكن أيضًا لا خلاف على أن أهم هذه الأسباب هي الحرب العالمية الثانية، فتلك الحرب يا سادة طالت العالم كله ورفعت من رفعت وخسفت الأرض بمن خسفت، وإذا كنا سنتحدث عن المستفيدين منها فبالتأكيد الولايات المتحدة الأمريكية على رأس هذه القائمة، لكن على الجانب الآخر، وعلى الرغم من أن الاتحاد السوفيتي لم يكن ضمن معسكر الخاسرين للحرب مع ألمانيا، إلا أن الدمار الذي طال هذه البلاد كان أشد بكثير من أن يتم تحمله، فتقريبًا لا أحد تأذى من الحرب العالمية الثانية مثل الاتحاد السوفيتي بقيادة زعيمه في هذا التوقيت ستالين، وهو اسم غني عن التعريف بلا ريب.

خسائر الاتحاد السوفيتي خلال الحرب كانت مُفجعة بحق، فيكفي أن نقول مثلًا بأنه قد لقي ما يزيد عن عشرين مليون شخصي سوفيتي حتفهم، طبعًا هؤلاء كان جنود ومدنيين، ناهيكم عن الخسائر المادية والمدن الكاملة التي تدمرت خلال الحرب، كل هذه تأثيرات لم تكن لتفعل شيء في النهاية أقل من الانهيار الكامل للكيان الذي استمر لفترة طويلة على قمة العالم، بل لن نُبالغ إذا قلنا إنه لم يجد له منافسًا طوال فترة سيطرته على العالم.

الحرب الباردة بين أعظم قوتين في العالم

ما سبق ذكره كان التأثير النابع للحرب العالمية الثانية، تلك الحرب التي استُخدمت فيها الأسلحة والمعدات الحربية الثقيلة التي تقتل الأرواح وتدمر المُنشآت، لكن كانت هناك حرب أُخرى تستعد للانطلاق بعد الحرب العالمية الثانية، تلك الحرب أُطلق عليها اسم الحرب الباردة، وذلك لعدم وجود أي أسلحة من أي نوع بها، فكل ما هُنالك أن الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الطرف الثاني والأقوى في هذه الحرب، بدأت في تضييق الخناق على الطرف الثاني، الاتحاد السوفيتي الآخذ في التفكك، وبتضييق الخناق المستمر للنفس الأخير كان لابد من السقوط في النهاية، مهما كانت قوتك فإنك بالتأكيد لن تتحمل لوقت طويل، خاصةً إذا كان ذلك الكيان الذي يُحكم الخناق عليك هو الولايات المتحدة الأمريكية.

تضييق الخناق كان يتمثل في ضرب الاقتصاد ومجابهة الاتحاد السوفيتي في كل شيء وصل إليه، سواء في مجال الأسلحة أو الفضاء، فمن المؤكد أن ذلك الاتحاد العريق قبل بداية الألفية الثالثة كان يمتلك أحدث الأسلحة الموجودة في العالم بالإضافة إلى تجارب أكثر نضجًا فيما يتعلق بالصعود إلى الفضاء وإجراء التجارب النووية، لكن كل ذلك أخذ طريقه للانهيار خلال الحرب الباردة الذي ذكرنا أنها كانت سببًا مباشرًا في تفكك الاتحاد السوفيتي .

انهيار الحزب الشيوعي وخلفه النخب السياسية من أسباب تفكك الاتحاد السوفيتي

من أبرز الأسباب التي كانت تؤدي إلى قوة الاتحاد السوفيتي قبل تفككه أنه كان يمتلك الحزب الشيوعي، ذلك الحزب القوي الذي كان ستالين زعيمه في يومٍ من الأيام، وقد كان الحزب كذلك حاضنًا لأغلب النُخب السياسية الموجودة في الاتحاد السوفيتي، والتي كانت بدورها تقود عجلة البلاد وتدفعها للأمام بالرغم من الفساد الكبير داخل الحزب وبالرغم كذلك من الخسارة المعنوية خلال الحرب العالمية الثانية، صحيح أن الاتحاد السوفيتي كان أحد الأطراف التي ربحت الحرب إلا أنه كان انتصارًا خادعًا، فقد تكبدت الكثير من الخسائر كما ذكرنا، وكل ذلك بالتأكيد تم تحميله للحزب الشيوعي الحاكم، لكن في النهاية، ودون قدرة أحد على الإنكار، كان هذا الحزب سببًا من أسباب قوة الدول السوفيتية ككيان كبير.

مع بداية الثمانينات بدأ الحزب الشيوعي ينهار ويفقد قوته وسيطرته على البلاد شيئًا فشيئًا، وبالتبعية بدأت النخب السياسية الحاكمة للبلاد، والتي هي في الأصل حاكمة للحزب، تنهار كذلك وتبتعد عن المشهد، وللحظ السيئ فإن تلك الكوادر التي حلت بديلًا لها لم تكن بدرجة قوتها، ولهذا كان الخذلان الكبير والمسمار الأخير في نعش تفكك الاتحاد السوفيتي ، وإن كان هذا السبب ضمن الأسباب الكثيرة فهو بالتأكيد ليس السبب الوحيد، بل هناك كذلك المشاكل الخارجية للبلاد.

ظهور المشاكل الخارجية مثل مشكلة أفغانستان

أي دولة يُمكنها بقليلٍ من الحنكة إدارة المشاكل الداخلية التي تتعرض لها، ففي النهاية سوف يعلو صوت العقل أو بعض الأصوات الوطنية كي تُنهي الخلافات والمشاكل وتتضافر من أجل الخروج من الأزمات، لكن هذا الأمر لا ينطبق بالطبع على المشاكل الخارجية، فهي تأتي كالإعصار الذي لا يُعير أي اهتمام للدولة التي يحل بها، فقط كل ما يعنيه أن يجتاح كل ما في طريقه، وهذا بالضبط ما تعرضت لها دول الاتحاد السوفيتي نهاية الألفية الثانية وقبل موعد تفككها المُخيب، حيث بدأت المشاكل الخارجية تتساقط على بلاد الروس، وكانت مشكلة حرب أفغانستان مثلًا أحد أهم هذه المشاكل وأكثرها تأثيرًا، بمعنى أدق، كانت مسمار جديد في نعش الاتحاد السوفيتي وتفككه.

بطريقةٍ أو بأخرى تورط الاتحاد السوفيتي في حرب مجنونة داخل أراضي أفغانستان، تلك الحرب لم تكن لتقوم لولا تعنت ورعونة الجانب السوفيتي، والذي تلقى الخسائر المادية والبشرية الجمة خلال هذه الحرب مما أدى إلى وجود حالة من الانقسام الشديد أدت في النهاية إلى تفكك الاتحاد السوفيتي ، وخمنوا من المنتصر الوحيد من هذه الحرب؟ أجل كما تقولون تمامًا، إنهم بالتأكيد أبناء العم العزيز سام ولا أحد غيرهم.

توقف عجلة الإنتاج السوفيتية

كان تفكك الاتحاد السوفيتي أشبه بانفجارٍ جاء بعد ضغط كبير، فطبعًا لم تكن تلك الأسباب المذكورة آنفًا لتؤدي إلى هذه النتيجة وحدها، بل كان لابد من بعض الأسباب الأخرى، والتي منها على سبيل المثال توقف عجلة الإنتاج السوفيتية بصورة مُلفتة جدًا للنظر، حيث أن الناس هناك لم يعودوا مثلما كانوا في سابق عاهدهم، مُنتجين أو على الأقل شغوفين للإنتاج، بل لم يعد الأمر يتخطى محاولة التعايش بعد الحرب العالمية الثانية التي لم تقتل البشر فقط وإنما قتلت كذلك الأمل الذي كان متواجدًا في قلوب من بقي على قيد الحياة، الجميع كان يحلم بأن كيان الاتحاد السوفيتي سوف يعلو نجمه وأن عجلة الإنتاج ستدور بأقصى سرعةٍ لها، لكن ما الذي حدث في الحقيقة؟ لم يحدث أي شيء أصلًا.

توقف الاتحاد السوفيتي عن إنتاج الأسلحة، فيما يتعلق بجانب البحث العلمي لم يعد كذلك هو المُسيطر الأول عليه في كامل أنحاء العالم، حتى الإنتاج الغذائي لم يعد كذلك في صورته الأولى، كل شيء بدأ يتدمر بصورة سريعة ومُفجعة، وللغرابة كان الناس يرون أن تلك الوحدة هي السبب الرئيسي في كل ما حدث ويحدث، فتوفير الغذاء لكل هذه المساحات لن يكون بالأمر الهين، كما أن فكرة السيطرة لم تعد أصلًا قابلة للتطبيق، ولهذا كان الحل من وجهة نظر البعض يكمن في التفكك وحمل كل دولة لحِملها بمفردها، هكذا بدأت الفكرة وهكذا تم تنفيذها.

انقلاب أغسطس الفاشل عام 1991

بعد كل الأسباب التي ذكرناها الآن كان واضحًا أن عجلة الاتحاد السوفيتي تفقد إطاراتها شيئًا فشيئًا، لكن هناك دائمًا ما يُعرف بالمسمار الأخير في النعش، أو القشة التي قصمت ظهر البعير، وقد كانت هذه القشة هي انقلاب أغسطس الفاشل الذي وقع في عام 1991، وعلى الرغم من أنه لم يلقى أي نوع من أنواع النجاح إلا أنه قد خلل الكيان وبدا جليًا أن تفكك الاتحاد السوفيتي مسألة وقت، بل إن تلك الشعرة التي كانت تفصل الانقلاب بين الفشل والنجاح كانت كفيلة بجعل القيادات يُفكرون حقًا في جدوى استمرار كيان مثل هذا تتم محاربته من الداخل والخارج.

انقلاب أغسطس قام بتنظيمه كل من له يد في السقوط المحتوم، بدايةً من الدول الخارجية التي تمتلك مصالح عُليا في إزاحة الاتحاد السوفيتي من خارطة الطريق مرورًا بأولئك الذين يعيشون داخل أرجاء الكيان ويحلمون بالسلطة منذ زمن، المشكلة في هؤلاء أنهم يُريدون السلطة فقط ولا يُدركون حقًا أن سقوط كيان السوفيتيين الأول لن يترك أي جدوى لهذه السلطة من الأساس، ببساطة جديدة، ما الذي تُريد حُكمه إذا لم يتبقى شيء للحكم!

ظهور قُوى أخرى جديدة ومؤثرة

العالم ليس عبارة عن الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي فقط، ربما كان يُمكنك قول ذلك قبل ثلاثة عقود من الآن، لكن قبيل تفكك الاتحاد السوفيتي كانت هناك حقائق لابد من مراعاتها، وأمور أخرى تظهر للأعمى قبل الضرير، منها على سبيل المثال ظهور قوى جديدة تتمكن من منافسة هاتين القوتين، ومن هذه القوى على سبيل المثال النمور الأسيوية التي انتفضت كالبركان في وجه العالم نهاية القرن العشرين، وعلى رأس هذه النمور اليابان، والتي يُقال أنها الآن قادرة على تخطي الولايات المتحدة الأمريكية نفسها بما تملكه من قوة عظمى متمثلة بالمقام الأول في العقول البشرية الرائعة التي تمتلكها وأدت لكونها الدولة الأبرز في مجال الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم بأكمله.

أيضًا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تمكنت ألمانيا من استعادة عافيتها وعادت كسابق عهدها دولة عظمى صناعيًا على الأقل، فهي الآن تُنتج أغلب الآلات التي يستخدمها العالم، هذا بالإضافة إلى الطفرة الطبية الكبيرة التي تمر بها، وإذا ما تحدثنا عن الدول القوية التي ظهرت فإننا سنحتاج إلى وقت طويل لتعددها، فكما ذكرنا، خريطة العالم تغيرت تمامًا ولم تعد كما كانت في السابق، وبالتأكيد كيان مثل الاتحاد السوفيتي أدرك هذا الأمر جيدًا وفضل التفكك بدل من الاكتفاء بمجرد المشاهدة، وربما هذه خطوة تُحترم من وجهة نظر البعض وتدل على الضعف من وجهة نظر البعض الآخر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

17 + ثمانية =