لماذا لقي مسلسل بلاك ميرور (Black Mirror) كل هذا الانبهار والإعجاب؟

أسباب الشعبية الكبيرة التي حصل عليها مسلسل المرايا السوداء

منذ الحلقات الأولى ومسلسل بلاك ميرور يحصد العديد من المشاهدين ولا زال يجذب إليه المزيد من المتابعين والذين يعيدون مشاهدته مرة أخرى فلم جذب هذا المسلسل كل هذا القدر من المشاهدين وأثار كل هذا الجدل حوله؟ هذا ما سنتحدث عنه في السطور التالية.

0

مسلسل بلاك ميرور واحد من أكثر المسلسلات التي لفتت الأنظار لكل محبي المسلسلات والدراما في كل مكان في العالم وبدأ عرضه على التلفزيون البريطاني في العام 2011 وعرض منه موسمين وحلقة خاصة بعنوان “الكريسماس الأبيض” في العام 2014 قبل أن تشتري شبكة نيتفليكس حقوق عرضه في العام 2015 وتعرض منه موسمين في 2016 و2017 على التوالي، ولا زلنا في انتظار موسم رابع هذا العام أو حتى العام المقبل. وجذب هذا المسلسل البريطاني الانتباه رغم قيامه بالأساس على فكرة التكنولوجيا وما يمكن أن تفعله فينا وما الذي يمكن أن نفعله لو امتلكنا مقاليد التكنولوجيا بين أيدينا فما السر وراء شهرة هذا المسلسل إلى كل هذا الحد؟

ألمعية أفكار بلاك ميرور

محتوى الأفكار التي بدأها وطورها تشارلي بروكر جعلت من المسلسل معجزة حقيقية من حيث الكتابة، لا تدري كيف يمكن للإنسان أن يصنع حلقات بهذا الشكل، أحيانا يرى الإنسان عملا فنيا فيعجب به ولكن يشعر أنه بإمكانه أن يكتب مثله أو يصنع مثله ولكن هذا المسلسل جعلني أشعر أن قدرة الإنسان فائقة على صنع أشياء تثبت تفوقه، مسلسل بلاك ميرور لم يكن ليحصد كل هذا النجاح لولا الألمعية المتجلية في كتابة كل حلقة.

الحلقات المنفصلة

أفضل ما يميز مسلسل بلاك ميرور أنه اتبع نهج الحلقات المنفصلة والتي يجمع بينها رابط واحد وهي التكنولوجيا، لا مجال هنا للدراما والتطويل والمط وانتظار الأحداث في الحلقة السابقة ولكن تصبح كل حلقة بمثابة فيلم محدود الطول ينتهي بنهاية الحلقة وفي نفس الوقت تجد نفسك متشوقا لمشاهدة الحلقة المقبلة لا لشيء ولكن لمزيد من المتعة من نفس صنف هذا المسلسل، حيث أنك تستشعر الرابط بين كل الحلقات بسهولة ويسر.

إخراج بلاك ميرور الرائع

ميزة الإخراج أنه استطاع أن يحافظ على صنع عالمه الموازي لعالمنا والمغاير له بقدر كبير من المثابرة والجهد وفي نفس الوقت يكون شديد الاتصال بعالمنا وشديد التشابه له بمعنى أنه استطاع أن يحافظ على التخييل في ذهن المشاهد بتصديقه أن هذا يحدث في عالم آخر أو في مستقبل قريب لكن في نفس الوقت يربطه بالكثير من الأحداث والمواقف والواقع الذي نعيش فيه، الإخراج فعلا استطاع أن يعطي كل شيء حقه، مشاهد الأكشن حقها ومشاهد الدراما حقها ومشاهد التكنولوجيا حقها.

جوهر المسلسل يخص كل فرد فينا

يختص مسلسل بلاك ميرور بالتكنولوجيا ولعل اسمه بلاك ميرور أي المرآة السوداء وهي رمز للشاشات المعتمة التي نحدق فيها ليل نهار ونصبح عبيدا لها فيما بعد وما الذي يمكن لو تم استغلال تحديقنا فيها هذا على أسوأ نحو؟ جمال المسلسل أنه يعري واقعنا ويعرينا نحن شخصيا معه، يجعلنا نفكر ألف مرة قبل أن نقوم بأي نشاط على مواقع التواصل الاجتماعي أو نستخدم تطبيقا قمنا بتحميله للتو من متجر السوفت وير أو تفاعلنا مع الحملات الإلكترونية أو غيرها، الأمر فعلا يجعلنا ننظر لواقعنا وسطوة التكنولوجيا فيه بنظرة مغايرة تماما، لا شك أنه ما من أحد شاهد المسلسل إلا وأصبح أكثر سخطا على واقعه وهو يشاهده من خلال شاشة معتمة.

القدرة على إثارة أعصابك حتى النهاية

يستطيع مسلسل بلاك ميرور أن يثير أعصابك في كل حلقة تراها، لا يمكن أن تشعر لحظة واحدة بالملل بل بالتشويق مهما بلغ طول الحلقة فقد تزيد الحلقة في بعض الأحيان عن الساعة ولكنك تظل تحبس أنفاسك من فرط التشويق والإثارة التي تشعر بها، لذلك مسلسل بلاك ميرور لا يناقش قضية جوهرية أو يتناول موضوعا يمس كل شخص يعيش في العصر الحديث ولكن يتناولها أيضًا بطريقة مشوقة ومثيرة وممتعة لكل من يشاهدها.

قلة حلقات كل جزء مما يعد مثالا للتشويق

أتى الموسم الأول من المسلسل في صورة ثلاث حلقات فحسب والجزء الثاني في صورة ثلاث حلقات أيضًا ثم الحلقة الاستثنائية الخاصة وهي استثنائية بالفعل بحيث حصدت تقييم 9.9 على موقع قاعدة بيانات السينما العالمية من المستخدمين، لكن بعد استحواذ نيتفليكس عليه تضاعفت عدد الحلقات في كل موسم إلى ست حلقات، ولكن تظل الحلقات قليلة نوعا ما حيث لا نلبث أن نندمج في جو الحلقات حتى نجد أن الموسم قد انتهى، لذلك تشعر أن المسلسل يتخذ طريقة السحرة التي تنص على أن تترك الجمهور وهو يريد المزيد مما يجعلنا متشوقين جدا للموسم التالي.

الإبهار البصري

ما كان سيحقق مسلسل بلاك ميرور كل هذا النجاح من دون الإبهار البصري وحلقاته الألمعية هذه بأفكارها المبهرة كان ممكن أن تموت في ظل إمكانيات متواضعة ببصريات رديئة لكن الجيد في الموضوع أن مسلسل بلاك ميرور حشدت له كل الإمكانيات من أجل إبهار بصري فائق لذلك استطاع أن يحصد كل هذا النجاح.

تلبية أفكار الإنسان ورغباته حتى السلبية منها

أجمل ما في الفيلم هو أنه يعرض لنا أفكارنا مجسدة أمامنا، مخاوفنا وإحباطاتنا وشهواتنا وحب التسلط لدينا وتوحشنا وعنفنا، شكوكنا وذكرياتنا وغيرتنا وعقدنا النفسية، كل هذا مسموح له بالانطلاق في حلقات مسلسل بلاك ميرور بشكل مثير للإعجاب، وهذا ما يجعلنا ننظر للمسلسل بشكل بالغ الانبهار.

التحام كل حلقة بحياتنا وواقعنا

أجمل ما في مسلسل بلاك ميرور هو التحام كل حلقة بواقعنا وتستطيع حسب البلد التي تعيش فيها أن تُسقط كل حلقة على حادث واقعي حدث معك سواء كان حدثا عاما أو كان حدثا شخصيا يختص بك أنت وحدك، ذلك وبما أننا كلنا نستخدم التكنولوجيا أصبحنا متشابهون في استخدامنا لها وتفاعلنا معها بالتالي ستجد الكثير من الحلقات تلمسك في جوهرها وموضوعاتها وسنعرض عدد من الأمور التي تناولها المسلسل في أبرز حلقاته على مدار المواسم الأربعة في الفقرات التالية إيجازا ودون حرق أحداث حتى يتسنى لمن لم يره بعد أن يستمتع به عند مشاهدته.

التسلط باسم التكنولوجيا

نلاحظ أن التيمة السائدة لمسلسل بلاك ميرور هو التسلط باسم التكنولوجيا، هذا ما لاحظناه باستمرار أن يكون هناك لشخص ما على شخص آخر السلطة بالتكنولوجيا المطورة لاستعباده وقهره وتزييف واقعه ومثال هذه الحلقات:

العنصرية وسلب وعي الشعوب

في حلقة “رجال في مواجهة النيران” في الموسم الثالث يقوم عدة أشخاص بمطاردة مسوخ مخربة وملاحقتهم لعدم انتمائهم للبشر وخروجهم عنهم بتجردهم من كل ما يخص المدنية والحضارة بصلة، ترتبط هذه الحلقة نوعا ما بصناعة الوعي وكيف يمكن لجهات معينة أن تسيطر على وعي الشعوب وتبث خطاب من الكراهية ضد جماعة ما وتشحنهم دون أن يشعر هؤلاء الذين يخضعون لصناعة الوعي الزائف هذه.

التنمر الإلكتروني

ألم يقل أينشتاين من قبل أنه في حالة اختفاء النحل سيقع العالم في مأزق؟ حسنا ماذا لو اختفى النحل وحل محله نحلا اصطناعيا؟ وماذا لو تم السيطرة على هذا النحل من أجل تنفيذ جرائم مجتمعية ضد من يعتقدون أنهم مخطئون عن طريق التصويت الإلكتروني ضد شخص ما والحكم عليه بالإعدام، ألا يشبه هذا عمليات الاغتيال المعنوي التي تتم ضد شخص ما من على وسائل التواصل الاجتماعي؟ هذا بالضبط ما حدث في الحلقة الأخيرة التي أتت بعنوان “مكروه من الأمة” حيث يقومون باختيار شخص أخطأ خطأ ما ويحكمون عليه بالإعدام عن طريق النحل الإلكتروني هذا أما عن الكيفية التي تتم بها هذه الأمور فنتركها لك عزيزي القارئ عندما تشاهد المسلسل.

مدن الخطيئة

في حلقة “اخرس وارقص” يظهر لك عبر فكرة الحلقة وطريقة عرضها والتي لن نحكيها بالطبع كم أننا نرزح بكاملنا تحت أغطية مهترئة من الخطيئة وكل منا له خطيئته الخاصة ونتظاهر بالطهر والنقاء وبمجرد ما يتم استغلال هذه الأمور حتى يظهر لنا بحار الخطيئة التي نغرق فيها وتجذبنا دواماتها لمزيد من التردي، هذه الحلقة كانت في الموسم الثالث أيضًا.

هستيريا الشك

في المشهد الأخير من فيلم se7en، سأل براد بيت كيفن سبيسي عما يوجد داخل الصندوق، فأجابه بإجابة متقنة وخالدة حيث قال: “لا تسأل أسئلة أنت لا تريد أن تعرف إجابتها” وكذلك في الحلقة الثالثة من الموسم الأول من مسلسل بلاك ميرور والتي أتت بعنوان “تاريخ شخصي لك” حيث عن طريق البذرة المزروعة في عنق كل شخص يجعله يسجل كل شيء يحدث له وينتاب أحد الرجال الشك في زوجته حتى يقتله الشك تماما ويستحوذ عليه ويوصله لدرجة الجنون، طبعًا الجو المخيم على الحلقة هي التكنولوجيا، ولكن إن تعمقنا سنجد هستيريا الشك عند الإنسان والمعرفة الزائدة عن اللزوم يمكن أن تقلب حياته إلى جحيم.

قهر الموت

أما في الحلقة الأولى من الموسم الثاني، فهل من الممكن أن يعود شخص من الموت مرة أخرى؟ ليس بروحه ولكن بجسده فحسب.. يمكن للتكنولوجيا أن تفعل ذلك، يمكن أن تعيد جسد شخص تحبه لكن لا تعيد روحه رغم محاولاتها الجادة والمثابرة للوصول إلى ذلك عن طريق الذكاء الاصطناعي، ولكن هل تنجح؟ وما تأثير محبي الشخص المتوفى على هذا الأمر؟

الهروب من الواقع

في الحلقة الأولى من الموسم الرابع، نجد أن هناك عبقري يتلقى معاملة استغلالية وسخيفة ويتملكه الخجل أيضًا طوال الوقت فيقرر تحويل من حوله إلى شخصيات في مسلسل تلفزيوني ثمانيناتي.. تبدو الفكرة غريبة نوعا ما، ولكن تخيل سيناريوهات بديلة ومغايرة للإنسان كأنه لا ينتمي لهذا المكان بل ينتمي إلى خيالاته لطالما داعبت الإنسان فكيف يمكن تحقيقها؟ هذا ما يجيب عليه مسلسل بلاك ميرور في الحلقة الأولى من الموسم الرابع بعنوان USS Callister والحلقة الرابعة من الموسم الثالث بطريقة تناول مختلفة في حلقة بعنوان سان جانيبيرو.

تلفزيون الواقع وحمى الإعلانات

تلفزيون الواقع وحمى الإعلانات، كيف يمكن لبرامج تلفزيون الواقع والهوس الشديد بالإعلانات أن تتحكم في حياة الناس بهذا الشكل وكيف يمكن لشخص يمكن أن يفعل أي شيء يجعله يجذب نظر المعلنين أن يرفعه من مصاف الكادحين إلى مصاف ذوي الأهمية؟ هذا ما تجيب عنه الحلقة الثانية في الموسم الأول من مسلسل بلاك ميرور العظيم.

الوصاية الأسرية والتدخل في حياة الأبناء

يمكن أن يحطم خوفنا على أبنائنا حيواتهم ويمكن أن يحرمهم من حق التجربة الكاملة، يمكن أن يقتلهم رغبتنا الشديدة في السيطرة عليهم عن طريق ابتزازهم عاطفيا هذا ما يتناوله موضوع حلقة “أركاجيل” الثانية في الموسم الرابع من مسلسل بلاك ميرور حيث بمساعدة التكنولوجيا أصبح الخوف المرضي من الآباء على الأبناء مقنن أكثر.

تقييم الناس حسب حيواتهم المصطنعة على الإنترنت

هل يمكن أن نقيم الأشخاص حسب كم المتابعين لهم على شبكات التواصل ؟ حسب الأماكن التي يسافرون لها وحسب الصور التي يرفعونها ومدى الحب البادي بينهم وبين شركاء علاقاتهم على مواقع التواصل؟ ربما هذا يصبح كابوسا كبيرا حينما يتدخل هذا التقييم في تعاملاتنا البشرية في الحلقة الثانية من الموسم والتي أتت بعنوان “تردي حاد”.

خاتمة

مسلسل بلاك ميرور واحد من أعظم العروض التلفزيونية التي يمكن أن تشاهدها وبالنسبة لي هو واحد من أعظم المسلسلات في التاريخ والتي لا يمكن أن تكون خيالية علمية أبدا، بل واقعية جدا.. واقعية بمرارة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

12 + 18 =

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقاقرأ أكثر