الرئيسية الحقائق التاريخ لماذا ضعفت مشاعر القومية العربية عن ما كانت عليه في الماضي؟

لماذا ضعفت مشاعر القومية العربية عن ما كانت عليه في الماضي؟

0

نلاحظ أن القومية العربية في هذه الأيام في انحدار تام بحيث وهنت مشاعر القومية السابقة وأصبحت مادة للتندر والسخرية وأصبح هناك هجمات ضدها لإخماد أي جذوة لها ومحاصرة أي بقايا هينة أو صغيرة لها ونلاحظ أيضًا الحملة الشرسة على كل من يصرح بحمله لجذوة الهوية العربية واعتزازه بقوميته فلماذا ضعفت مشاعر القومية العربية إلى هذا الحد وكيف يمكننا إعادتها مرة أخرى؟

العولمة وانهيار الخصوصية الثقافية

نلاحظ أنه قبل الألفية الثالثة أي قبل الانتشار السرطاني السريع لوسائل الاتصال الحديثة والأقمار الصناعية واستخدام الإنترنت بوفرة وغزارة كان هناك اعتزاز بالثقافة العربية في المأكل والملبس والطعام والشراب وأسلوب المعيشة وأي نمط تقدمي كان ينبع من خلال هذه الخصوصية الثقافية ولا يكون هابطا عليها من الأعلى أو محاولا تغريب الثقافة وإلباسها غير ملبسها، لكن مع غزو العولمة وانهيار الخصوصية الثقافية واستبدال الجماهير لأساليب حياتهم المعتادة بأساليب أخرى مبنية على أنماط بلا جذور أو أسس ثقافية في مجتمعاتنا صار كل ما يربط الشعوب العربية ببعضها متهالك وآيل للسقوط وعلى وشك الانهيار، لذلك العادات والتقاليد المشتركة ونقاط التماس بين الشعوب العربية أدت إلى شعور المواطن العربي بالاغتراب عن أخيه العربي في الدولة الأخرى وهذا من وجهة نظري من أهم أسباب انخفاض مشاعر القومية العربية في الفترة الحالية.

تلاشي اللغة المشتركة

من آثار العولمة على القومية العربية أيضًا رغبة الشباب في الوطن العربي إلى تعلم اللغات الجديدة بهدف الهجرة واحتقار اللغة العربية في المؤسسات الحديثة وفي سوق العمل وحتى في المدارس فيسعى الأبوان في ظل هذه الظروف إلى إلحاق أبنائهم بمدارس اللغات وتصبح لغة المراسلة ولغة الحديث داخل المؤسسات الحديثة باللغة الإنجليزية، ولعل رابط اللغة هو أقوى رابط يمكن أن يربط بين جماعة، فلا يمكن أن أشعر بالقومية تجاه شخص لا يفهم لغتي ولا أفهم لغته أو تربطنا لغة مشتركة سويًا نتفاهم من خلالها مع بعضنا بالتالي وفي ظل هذا التجريف الذي يحدث سواء بعمد أو بدون عمد للغة العربية ومحاولة سحبها من اللغة الدارجة للناس وإحلال اللغات الأجنبية بدلا منها خصوصًا في المحافل المهمة مثل المدارس في مراحل التعليم الأساسي وفي سوق العمل نتج عنه تآكل الرابطة التي كانت تربط العربي وبالتالي اجتثاث القومية العربية من جذورها.

سوء أحوال البلدان العربية

ربما لا ندرك أن سوء أحوال البلدان العربية أدى بشكل كبير حتى إن كان غير ملحوظ إلى اهتمام كل فرد في الدول العربية بالشأن الداخلي لتأثيره المباشر عليه وأشير هنا إلى الأوضاع الاقتصادية المتردية والتي تجعل معظم المواطنين العرب يحاولون تمضية يومهم بأكبر قدر ممكن من الصمود وأقل قدر ممكن من الخسائر ومحاولة تلبية حاجات الحياة الأساسية بغض النظر عن الاهتمام بالشئون الخارجية أو الالتفات إلى الهم العربي المشترك لذلك أدت الأحوال المتردية في البلدان العربية ما بين فقر وجهل وانعدام وعي وإصرار على سحق المواطن العربي تماما لدرجة أصبحت أقصى أحلامه أن يعيش دون أن يعجز عن توفير الاحتياجات الأساسية من مأكل وملبس ومسكن دون اهتمام بما يحدث بالخارج وبالتالي أثر ذلك بالسلب على مشاعر القومية العربية وأضعفها.

موت القومية العربية بسبب التناحر بين الأنظمة العربية

التناحر بين الأنظمة العربية وبعضها أثر هذا أيضًا على وعي الشعوب وأحدث شرخًا عميقًا في صلب القومية العربية حيث إن الأنظمة حينما تضرب القومية في مقتل وتعلن بكافة السبل والوسائل والخلافات والمشاحنات أن القومية العربية ما هي إلا محض كذبة أو وهم فإن الشعوب بشكل تلقائي ستضعف بداخلها جذوة القومية العربية إلى الأبد وها نحن نرى المقاطعة بين الدول العربية والقطيعة وما حدث من حروب ومعارك بين الأشقاء العرب وتدخل عسكري بل ما حدث أيضًا من تطهير عرقي وإبادة جماعية وضرب من الأنظمة في شعوبها وقتلها بشكل متعمد، كل هذا أنهك القومية العربية وأدى إلى قتلها مع مقتل الشعوب على أيدي أنظمتها، مما تسبب في الوضع الحالي وشعور كل مواطن عربي بأن شقيقه العربي أكثر جفاء عليه من الأوربي أو الغربي لذلك كان من الصعب أن يتم الحديث عن القومية العربية وهي محض كلام على ورق أو كلاما يتردد في أجهزة التلفزيون وعلى ألسنة الشعراء والمطربين لكن على أرض الواقع لا يوجد هذا بالفعل ومنذ متى وهناك مشروع إنشاء السوق العربية المشتركة ولكنه لم يتجاوز كونه فكرة في مهدها بسبب التناحر بين الأنظمة العربية والذي وصل مؤخرا لدرجة التقاتل بالسلاح، لذلك علينا أن نعرف أنه لا يمكن أن تكون الشعوب متحابة ومترابطة وتشعر أنها كتلة واحدة دون أن يكون لدى الأنظمة نفس الاعتقاد.

سوء معاملة الأشقاء لبعضهم

لعلنا نلاحظ الكثير من الاحتقان بين الشعوب العربية وذلك بسبب هجرة مواطني بعض الدول العربية لدول عربية شقيقة ما نتج عنه أن صار العرب بكل هذا القدر من التشاحن بسبب العنصرية ضد مواطني الدول المُضيفة لمواطني الدول المُستضافة وشعورهم بالتفضل عليهم ما نتج عنه بشكل طبيعي سوء معاملة الأشقاء لبعضهم، ولا نقول أن هذه حالة عامة فلا ريب أن هناك الكثير من المحترمين الذين لا زال لديهم بالفعل اعتقاد تام برابطة القومية العربية لا زالت تتقد في وجدانهم بل ربما تكون الفئة الغالبة من هؤلاء المحترمين إلا أن ما يطفو على السطح هي الفئات المضطهدة والعنصرية ونلاحظ على شبكات التواصل الاجتماعي انتشار فيديوهات أو قصص تتحدث عن مواقف يتضح فيها سوء المعاملة والاضطهاد فيأخذ سكان الدول المُضطهَدة أن شعب الدولة الأخرى هذه على قدر كبير من الجلافة والصلف ويكنون لهم الكراهية والبغضاء وهذا ما لا يكون حقيقيا بالمرة، ولكن في الأخير يشكل هذا اعتقادا جازما بانعدام القومية العربية بل ينشأ اتجاها آخر بالتنفير من القومية العربية والعمل ضدها.

عدم وجود القضية المشتركة

لعلي حينما أسترجع طفولتي إبان المرحلة الابتدائية حينما كانت القضية الفلسطينية هي هم كل بيت عربي وهي موضع الحديث في كل زقاق وفي كل قرية وفي كل بلدة وفي كل ضيعة وفي كل شارع في الوطن العربي، فأنين الطفل الفلسطيني يُسمع مُدويا في مدارس دمشق، والصرخات في القدس يتردد صداها في القاهرة، وهدم البيوت في الضفة الغربية أو في غزة تتصدع له الجدران في مراكش والدار البيضاء، واقتحام المسجد الأقصى يثور له المصلون في مسجد الزيتونة بتونس، وقطع الطريق إلى كنائس بيت لحم، تقرع له الأجراس في بيروت، كان بحق يشترك المواطن العربي في كل بلدان العرب في نفس الهم الواحد، كانت القضية الفلسطينية هي القضية التي لا يمكن زعزعتها من وجدان المواطن العربي، لا أعرف كيف انقلب الحال إلى هذا الحد ولا كيف أصبحت القضية الفلسطينية قضية سياسية غير واضحة المعالم ولا كيف تراجعت لتصبح موضع جدال ولا كيف خرج من بيننا من يدعون للتطبيع ويقبلون الكيان الصهيوني كجار وككيان مسلم بوجوده ومعترف بشرعيته في المنطقة، ولا كيف يتبجحون بالقول بأنها ليست بالعدو، لا أدري إن كان ضعف القومية العربية هو ما أدى إلى ذلك أم أن هذه الدعوات الصادمة هي التي أدت إلى انهيار القمة العربية ونخر السوس في أساسها، ولكن افتقار المواطن العربي للهم المشترك وانصراف كل مواطن لهمه الشخصي أحد أكبر مسببات تراجع القومية العربية وتآكلها.

التفكك والحروب الأهلية

لو نظرنا نظرة شمولية للوضع في المنطقة لتفهمنا جيدا سبب انهيار القومية العربية بشكل تام، تفكك هنا وانفصال هناك، حروب أهلية هنا ولاجئون بالملايين يستجدون اللقمة والكساء بعد أن كانوا أعزاء في أوطانهم على الجانب الآخر، تنازع بين الأشقاء واقتتال عسكري متناحر يحرق الأخضر واليابس، أنظمة تبيد شعوبها وشعوب تبيد بعضها وأيدٍ خفية وجلية تعبث بالمشهد، قوات أجنبية تقتل الأطفال والنساء وقواعد عسكرية تغرس كل يوم في المنطقة، إرهاب هنا وهناك وإعلان خلافات وبيانات من ولايات، كل هذا يجعل الانتماء للمنطقة العربية عارا يستدعي الإنسان أن يتبرأ منه على الفور، لا يحب الإنسان الحديث الانتماء لهذه المنطقة الموبوءة بالدمار والقتل ومراعي الدم، ولو كانت القومية العربية هي الاهتمام بهذه الشئون المقبضة هذه، وهذا ما لا يمكن أن يتحمله بشر.

استخدام القومية العربية للترويج للأنظمة الفاشية

قديما كانت تستخدم القومية العربية كورقة رابحة من أجل الترويج للأنظمة الفاشية، كانت يتم استخدامها كوسيلة من أجل البقاء في السلطة ومن أجل قمع الشعوب أكثر وأكثر وحينما تفتح الأفواه بمساوئ هذه الأنظمة كانت القومية العربية حجة لإسكات هذه الأفواه وأن عروبتنا في خطر وأننا سنضيع ونتفكك ونتلاشى ونندثر، وأننا سنباد كالهنود الحمر وأن هذا النظام يمسك القومية العربية ليسندها بيديه ومجرد هزه فقط ستسقط الأنظمة العربية فوق رؤوسنا، ولكن بمجرد زوال هذه الأنظمة عرفنا أنها كانت مجرد لعبة فقط ووسيلة للضغط على الشعوب لذلك بعد كشف الشعوب لهذه الخدعة أصبح عندهم نفور تلقائي من هذه المسألة حيث شككت هذه الأنظمة الشعوب في هويتها نفسها وحدث التباس غريب جعلها تترك القومية العربية برمتها وكأن القومية العربية بأكملها لم تكن إلا وهما كبيرا وكذبة اخترعها الحكام للسيطرة على شعوبهم.

تباين الوضع الاقتصادي بين الدول العربية

من أكثر مشكلات القومية العربية في الوضع الحالي هو تباين الوضع الاقتصادي بين الدول العربية فما بين دولا ترزح تحت نير المجاعات وترتدي الأسمال البالية وتسكن الخيام بلا أي خدمات أو مرافق وبين دول ترفل في الثياب الفاخرة وتسكن في القصور وتعيش في رفاهية عالية بحكم هذه التباينات الصارخة في الأوضاع الاقتصادية أصبح الوضع الاقتصادي موغلا في التأزم إلى درجة كبيرة ومن الصعب علينا فك تعقيده بجملتين، لأن المسألة بذلك تستدعي هدم المنظومة بأكملها لكن لم يكن بوسعنا الحديث عن القومية العربية الآيلة للسقوط دون ذكر هذه النقطة الملغزة أيضًا.

شيوع الفن الاستهلاكي وتراجع دوره

منذ زمن كان هناك اهتماما حقيقيا بالقومية العربية وكان هناك مشروع من الرئيس المصري جمال عبد الناصر لتوحيد العرب على قلب رجل واحد ولعله استخدم الفن لترسيخ تلك المفاهيم خصوصًا بعد انعقاد الوحدة بين مصر وسوريا فهب الفنانون لإنشاد النشيد الخالد “وطني الأكبر” بمشاركة كوكبة من نجوم العرب وقتها، وحتى وقت قريب ظل أوبريت “الحلم العربي” الذي شارك فيه فنانين من كل الدول العربية حتى من جيبوتي وموريتانيا يتردد كالنشيد الرسمي لمقاومة الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية، وحتى العام 2008 أتى أوبريت الضمير العربي بشكل أكثر واقعية ليتباكى على انهيار القومية العربية وتبلد مشاعر العرب تجاه بعضهم البعض، والآن بعد وجود الفن الاستهلاكي بدون مؤسسات جادة وغير ربحية توجههم أو تمولهم صار من الصعب التغني بالقيم الهامة هذه، مما أدى إلى تراجع دور الفن الذي كان له الكثير من الفضل في ترسيخ قيم القومية العربية في وجدان الشعوب.

خاتمة

لعلنا إن نظرنا لأنفسنا ولحال الدول العربية المتردي جميعها لتفهمنا جيدا سر تآكل قيم القومية العربية وتلاشيها من ذاكرة الشعوب ووجدانها.

Exit mobile version