لماذا قام السامري ببناء العجل الذهبي لبني إسرائيل؟

أسباب تفكير سامري بني إسرائيل في صنع العجل الذهبي لقوم موسى

العجل الذهبي عجل تم صنعه من قِبل السامري وعبده بني إسرائيل خلال فترة غياب النبي موسى من أجل ملاقاة ربه، فلماذا قام السامري ببناء ذلك العجل يا تُرى؟ ولماذا لم يصبر بني إسرائيل حتى رجوع نبيهم إليهم؟

0

من أكثر القصص التي ستدهشك في القرآن الكريم أو التوراة قصة العجل الذهبي الذي بناه السامري في الفترة التي غاب فيها النبي موسى من أجل ملاقاة ربه أعلى جبل الطور في سيناء، فعندما صعد النبي الكريم إلى هذا الجبل من أجل أخذ وصايا الله على الألواح ترك خليفته وشقيقه النبي هارون على رأس بني إسرائيل لكي يحكم بينهم بالعدل، وبعد انقضاء المدة عاد موسى إلى قومه فاندهش من مشهد عجيب، وهو عبادة بني إسرائيل لعجل مصنوع من الذهب، ذلك العجل الذي كان الجميع يعرف أن من قام بصناعته هو السامري، لكن لماذا يا تُرى قام السامري بصناعة ذلك العجل؟ هذا هو السؤال الذي سنحاول الإجابة عليه سويًا في السطور القليلة المُقبلة، ولتكن البداية مع السبب الأكثر وضوحًا وقولًا من قِبل العلماء، وهو استغلال السامري المذموم إلى حاجة الناس الماسة لوجود إله لهم، إله مادي تحديدًا.

صناعة العجل الذهبي لاستغلال حاجة الناس إلى إله من أجل عبادته

ربما لا يعرف البعض بهذه المعلومة، لكن حاجة البشر إلى إله من أجل عبادته حاجة فطرية خالصة، بمعنى أنهم لا يستطيعون العيش دون أن يكون هناك رب صاحب سُلطة عُليا، حتى أننا إذا تتبعنا تاريخ الأمم التي بُعث بها الرسل من أجل الدعوة إلى عبادة الله الواحد فسنجد أنهم أصلًا كانوا يمتلكون إلهاهم الخاص، والتي يُمكن أن يكون صنمًا ويُمكن أن يكون بقرة أو كتلة من العجوة حتى، المهم في النهاية بالنسبة لهم أن يكون هناك إله، سُلطة عُليا قادرة على التحكم بهم وبكل شيء موجود في هذا الكون، وهذا بالضبط ما عمل السامري على استغلاله عندما فكر في صناعة العجل الذهبي ، حيث أنه قد لمس بنفسه الحاجة الماسة من قِبل بني إسرائيل لوجود إله لهم.

مطلب بني إسرائيل لم يكن مُتمثلًا في تواجد إله فقط، فهم يعرفون أن الله موجود، وأنه قد أنجاهم من قبل عندما كان فرعون يبتغي هلاكهم، لكنهم كانوا يريدون أن يروا ذلك الإله وأن يكون شيء مادي ملموس له صوت مسموع، وهذا بالطبع دلالة على ضعف إيمانهم، لكننا هنا نتحدث عن استغلال السامري لهذه الحاجة أسوأ استغلالٍ ممكن، حيث أنه لم يتورع في تجميع الذهب وإنشاء عجل به، ثم بعد ذلك ادعى ببساطة أن ذلك العجل هو الإله الذي يبحثون عنه.

تنصيب نفسه كقائد جديد لبني إسرائيل

بعيدًا عن حاجة الناس إلى إله فإن استغلال السامري لهذا الحاجة وإقدامه على صناعة العجل الذهبي كان في المقام الأول نابعًا من رغبته في تنصيب نفسه كقائد جديد لبني إسرائيل بعد النبي موسى، فقد كان يظن أن موسى لن يرجع وأن الله ربما يرفعه إليه، ولهذا فإن عليه استغلال هذا الفراغ وشغل ذلك المنصب الشاغر، خاصةً وأن موسى قد تأخر فعلًا، وبالطبع الناس سيحبون أكثر الرجل الذي أرشدهم إلى إلههم، ونحن هنا نشير إلى السامري وإلهه المزيف الذي صنعه من الذهب، والذي تمكن من إعطائه الحياة المُزيفة من خلال وضع رمال فيه مما يؤدي إلى إخراجه صوت ما، فيظن المستمع أن ذلك العجل الذهبي قد بُعثت فيه الحياة وأنه إله مثلما يدعي السامري، وهذا هو الاستغلال بكل ما أوتي من وصف.

رغبة السامري في القيادة كانت واضحة منذ اللحظة الأولى التي ذهب فيها النبي موسى من أجل ملاقاة ربه، فقد بدأ في تصدر المشهد على الفور، وكان يبحث طوال الوقت عن الطريقة التي تُمكنه من السيطرة التامة وبسط قبضته، وكانت فكرة ابتداع إله في الحقيقة فكرة مناسبة جدًا من أجل تنفيذ هذا الغرض، ونعود لنُكرر أن الأمر في البداية والنهاية يتوقف على ضعف إيمان بني إسرائيل واستعدادهم دائمًا وأبدًا للسقوط في الفخ، أيًّا كان من نصب لهم ذلك الفخ ومستوى ذكائه.

فتنة وابتلاء من الله تعالى

حكمة الله دائمًا في خلقه أن يبتليهم ويفتنهم كي يتضح في النهاية الخبيث من الطيب، قوي الإيمان وضعيف الإيمان، فبالتأكيد الله يعلم النوايا والنفوس وما يدور بهما، لكن فكرة هداية النجدين واحدة من الأفكار الثابتة في هذه الحياة، أنت من ستختار بنفسك المصير الذي تُريد أن تُصبح عليه، وفي حالة بني إسرائيل ومسألة خلق العجل الذهبي فإن الله تعالى كان يُريد ابتلاء قوم موسى وفتنتهم ليعرف حقًا ما الذي سيصيرون إليه إذا غاب عنهم نبيهم الكريم، ومن قرأ القرآن يعرف جيدًا أن الله تعالى قد أخبر نبيه عندما تجلى له بأنه قد فتن قومه من بعده، ولهذا كان النبي موسى يعرف ما الذي فعله قومه حتى قبل أن يراه، لكن دهشته بالفعل كانت كبيرة فور رؤيته له.

الفتنة هنا تكمن في قياس النعمة، فلم يكن قد مضى وقت طويل بعد على نجاة بني إسرائيل بأمر الله من عذاب فرعون وبطشه، فقد كانت يتبعهم بجيشه ويُريد قتلهم حتى آخر رجل بهم، لكن الله، وبمعجزة يراها الأعمى، شق لهم البحر وأنجاهم من هذا الهلاك المحتمل، وكردٍ منهم على هذه النعمة سقطوا في الفخ وعبدوا عجل من معدن بعدما تركهم نبيهم لملاقاة ربهم، أي فتنة وأي ابتلاء وأي فخ ذلك الذي سقط فيه هؤلاء القوم بتخطيطٍ من السامري!

عدم قدرة هارون على السيطرة

من معاتبة النبي موسى لأخيه هارون عقب عودته من جبل الطور نجد أنه قد أوضح بأن أخيه لم يتمكن من تنفيذ المهمة التي وكله بها قبل رحيله، وهي السيطرة على هؤلاء القوم والحكم بينهم بالعدل، لكن عجز النبي هارون عن فعل هذا الأمر كان سببًا في أن واحدًا من هؤلاء القوم قد بنى عجل من الذهب وأن بقية القوم قد اتبعوا الهوى وعبدوا ذلك العجل تاركين خلف ظهورهم كل ما تعلموه وما رأوه من معجزات خلال فترة مكوثهم مع النبي موسى، والحقيقة أن نقل القرآن للقصة كان يُظهر جليًا ذلك الأمر، لدرجة أن لهجة المعاتبة وصلت لرد هارون على سيدنا موسى بألا يأخذ بلحيته أو برأسه، وهو أسلوب من أساليب التهويل بكل تأكيد، ومعنى استخدامه أن الأمر كان جللًا بحق.

النبي موسى في الأصل هو الذي طلب من ربه أن يُرسل معه أخاه هارون كنبي كي يُساعده في هذه الأمور، وقد أرسله الله بالفعل كنبي، ولذلك كانت صدمة النبي موسى قوية عندما لم يتمكن هارون من السيطرة على بني إسرائيل، والحقيقة أن الأمر يُمكن إرجاعه أيضًا إلى دهاء السامري وقدرته على خلق الحدث من العدم، فإبليس مثلًا أذكى من بعض البشر على الرغم من أنهم سيدخلون الجنة وهو سيدخل النار، هذا يعني أن الذكاء لا يكون مع جانب الحق كما قد يظن البعض، عمومًا، كانت لحادثة العجل هذه تأثير كبير فيما بعد على دعوة النبي موسى ومصير بني إسرائيل بأكمله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

1 × 1 =

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقاقرأ أكثر