لماذا يعد الأمير عبد القادر رمز الحرية لدى الجزائريين؟

أسباب الشهرة الاستثنائية للأمير عبد القادر الجزائري

يعد الأمير عبد القادر هو قائد حرب التحرير الجزائرية الأولى إبان دخول الفرنسيين للبلاد، وقد قام هذا الأمير بالكثير من الأعمال الجليلة التي جعلته أحد أبرز رموز الحرية للجزائريين، فهل تعرف الدور الذي قام به تجاه الوطن؟

0

ولد الأمير عبد القادر في بداية القرن التاسع عشر بالقرب من مقاطعة معسكر، ويرجع نسب هذا الأمير إلى الصحابي علي بن أبي طالب فأجداده هم الأدارسة الذين فروا هاربين إلى بلاد المغرب العربي خوفًا من بطش الدولة الأموية، وكان عبد القادر محبًا للعلم منذ صغره ونشأ نشأة إسلامية سنية تامة، وقد أتم حفظ القرآن والأحاديث النبوية والتفسير وهو على مشارف الثالثة عشر من عمره، وقد شارك في مسابقات الفروسية حتى اظهر تفوقًا كبير ومن هنا بدأ في دخول طريق الجهاد، ونظرًا لسوء الأحوال الجزائرية وكثرة الصراعات على الحكم راح الجزائريون يبحثون عن أمير يوحدهم ويجمع شتات صفوفهم، فكان أنسب اختيار لديهم هو عبد القادر بن محيي الدين ولكنه للأسف لم يرضى بالأمارة وفضل قيادة الجيوش الإسلامية فقط، ومع مرور الوقت وكثرة الانتصارات التي أحرزها بايعه الناس بالأمارة وأصبح خير مثال لمقاومة الاحتلال الغاشم للبلاد، ونحن هنا سنتعرف على أهم أعمال الأمير عبد القادر، فتابعوا معنا.

انتصارات الأمير عبد القادر الأولى على الجيوش الفرنسية

تولى الأمير عبد القادر المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي وهو في الخامسة والعشرين من عمره، واختار من مدينة معسكر الواقعة في مقاطعة معسكر مركزًا له، وبدأ في تجهيز الجيوش وجمع الأسلحة والمعدات اللازمة للقتال، حتى أتم جميع الاستعدادات وبدأ في شن أول غاراته الحربية في الثاني والثلاثين من القرن التاسع عشر، وقد أسفرت هذه الغارة عن انتصارات دوى صداها في جميع أنحاء بلاد المغرب العربي، ولم يكتف بهذا بل راح يلاحق الجيوش الفرنسية من مكان لأخر حتى هرب بويه القائد الذي كان يرأس جنود الاحتلال في المنطقة الجزائرية، فانزعجت فرنسا كثيرًا بهذه المطارات المتتالية وهرب قائدها في البلاد فقامت بعزل هذا القائد ورُحل إلى فرنسا، ثم أرسلت القيادة الفرنسية في باريس قائدها دي ميشيل الذي كان ذو حنكة وذكاء كبير.

فأول ما دخل الجزائر عقد معاهدة صلح مع الأمير عبد القادر في السادس والعشرين من فبراير عام 1834، ولم يكن دي ميشيل ينوي الصلح حقيقة ولكنه كان يحاول دراسة أحوال البلاد الجزائرية وخاصة أنها منطقة وعرة الجبال والتي تسهل على المقاومة التحرك والتنقل بكل سهولة وتصعب الأمر على الفرنسيين، ولكن الأمير عبد القادر كان يعلم ذلك وبدأ يجهز جيوشه سرًا ليضرب بيد من حديد.

استغلاله الأمثل لمعاهدة معسكر

بموجب اتفاقية معاهدة معسكر التي عقدت بناء على طلب القائد دي ميشيل الفرنسي مع الأمير عبد القادر الجزائري في 1834م، امتلك عبد القادر الحكم في الشمال الغربي للبلاد ولم تستطع القوات الفرنسية دخول الجزائر عن طريق البحر بصورة جيدة كما كان من ذي قبل، وذلك لأن الجزائريين كانوا يصطادون الجنود الفرنسيين وهم يعبرون إلى داخل البلاد عن طريق مقاطعة وهران مرورًا بسيدي بالعباس، ثم عمل الأمير عبد القادر على تشييد القلاع والحصون وترميم الرديء منها وجلب السلاح والمعدات القتالية من شتى الجهات المختلفة، حتى صارت القوات الجزائرية في أهب الاستعداد على خوض غمار الحروب ضد الاستعمار الفرنسي الغاشم، ولكن ما كان يعوقهم ويمنعهم من الإجهاز على القوات الفرنسية هي اتفاقية الصلح التي كانت معقودة بين الطرفين، وليس من شيم المسلمين الخيانة ونقض المعاهدات فتحينوا الفرصة التي يبدأ فيها الفرنسيين القتال حتى يتمكنوا من مواجهتهم بكل ضراوة وشدة وهذا ما حدث من قبل الفرنسيين.

خرق معاهدة معسكر من قبل الفرنسيين

بالفعل حدث ما كان يتوقعه الأمير عبد القادر هو ورجاله الأبطال، حيث أن القوات الفرنسية قامت بنقض معاهدة الصلح المعقودة بينهم في بداية العام الخامس والثلاثين من القرن التاسع عشر، وللأسف أنضم للقوات الفرنسية بعض القادة الجزائريين الذين كانت لديهم أطماع حكمية، وانضمت أيضًا بعض القبائل الجزائرية مثل قبيلة الزمالة والدوائر، وطلب الأمير عبد القادر تسليم هذه القبائل الخائنة له ولكن الفرنسيين امتنعوا عن ذلك لكسب حب وتأييد القبائل، فقام عبد القادر بشن غاراته المتتالية على ألأكمنه والمواقع الفرنسية وأنزل بهم هزائم منكرة، فدخل الفريقان في معركة سيق والتي كانت فيها الجيوش الفرنسية أضعاف القوات الجزائرية ولديها أسلحة ثقيلة وكثيرة على عكس الجزائريين، ولكن بفضل الله ثم ذكاء وفطنة الأمير عبد القادر انتصر الجزائريين عليهم، فتراجع الفرنسيين وعملوا على تجهيز جيش قوي يقضى على الجزائريين.

وفي نهاية شهر يوليو عام 1835 حشد الفريقان جنودهم وخاضوا معركة قوية جدًا سميت بيوم المقطع، وكان يطمع فيها الفرنسيون لرد شرفهم واستعادة هيبتهم التي فقدت بعد سلسلة الهزائم المتتالية، ولكنهم أيضًا هزموا في هذه المعركة هزيمة شنعاء أسفرت عن مقتل الكثير من الجنود الفرنسيين حتى قامت القيادة الفرنسية في باريس بعزل القائد دي ميشيل مع بعض القادة الآخرين في المنطقة الأفريقية وعينت قادة جُدد تطمع من خلالهم لفرض قوتها وعظمتها على الشمال الأفريقي، ولكن الأمير عبد القادر استطاع الانتصار عليهم في بادئ الأمر ولكن الأحوال لم تسر كما كانت عليه بسبب خيانة بعد القبائل له وانضمامهم للمعسكر الفرنسي، حتى بدأت سياسة الكر والفر والهرب لدى الأمير عبد القادر.

اهتمام الأمير عبد القادر بالأحوال الداخلية للبلاد

عمل الأمير عبد القادر أثناء فترة المعاهدات على تحسي الظروف المعيشية والاقتصادية للبلاد الجزائرية، فأهتم أولًا بالعلم وإنشاء المدارس وتنمية وتحسين مناهجها وتوسعة النشاط التعليمي، ثم قام بإنشاء المصانع الجزائرية لاستغلال موارد البلاد البشرية والمالية وذلك ما حسن الأوضاع المعيشية بعض الشيء في البلاد، ثم شرع في ضبط أمور القضاء والعدل ثم الحد من الفساد المستشري في جنبات البلاد، حتى أصبحت الجزائر تعيش في حالة مستقرة بعيدًا عن السرقة والنهب وقد كانت النساء والأطفال يسيرون في الشوارع بدون أي خوف أو قلق على أرواحهم ولا على أموالهم، وهذا خير دليل على شدة الأمن والأمان الذي بثه الأمير عبد القادر في نفوس شعبه فلا كانوا يخافوا من مستعمر أو لص.

هذا وقد عمل أيضًا على خلق فرص للشباب لكي يعيش الشعب الجزائري في حالة اكتفاء ذاتي تُغنيه عن الحاجة للأجانب الذين يحاولون نهب البلاد بشتى الطرق، ولذلك فقد كان الأمير عبد القادر في نظر الجزائريين هو خير منقذ ومخلص لهم حتى عد أيقونة الحرية والاستقلال في نظر جميع أطياف الشعب.

تقسيم البلاد إلى ثماني مقاطعات

قام الأمير عبد القادر بتقسيم الجزائر إلى ثماني مقاطعات وعين على كل مقاطعة منهم أمير ذو سيرة حسنة، فالأولى مقاطعة معسكر وعاصمتها معسكر وكان يرأسها مصطفى التهامي، والثانية كانت مقاطعة مجانة وعاصمتها سطيف ووضع على رأسها عبد السلام المقدادي، والثالثة كانت تلمسان وعاصمتها تلمسان وكان أميرها هو محمد البوحميدي، ثم الرابعة مقاطعة مليانة وعاصمتها مليانة وقائدها هو محيي الدين القليعي، والخامسة مقاطعة الزيبان وعاصمتها بسكرة وعلى رأسها فرحات بن سعيد، والسادسة التطيري وعاصمتها المدية ورئيسها محمد البركاني، والسابعة هي مقاطعة الصحراء الغربية وعاصمتها بشار وكان يرأسها مصطفى التهامي، والثامنة والأخيرة هي مقاطعة الجبال التي كان عاصمتها البويرة وبرج حمزة وقد عُين عليها القائد أحمد بن سالم الدبيسي.

وهذه المقاطعات الثمانية كانت تحت حكم الأمير عبد القادر رغم أنف الاستعماريين وذلك بعدما ألحق بهم الكثير من الهزائم التي بددت شملهم وجعلتهم يرضون بحكم عبد القادر ويخافون من غضبه عليهم، فلذا قبلوا بالمعاهدات والصلح الذي استمر عدة أعوام استطاع فيها الأمير عبد القادر تنظيم أحوال بلاده.

استبساله الشديد في صد الفرنسيين

بعد سلسلة من الانتصارات المتتالية على القوات الفرنسية عقدت معاهدة جديدة تحت اسم تفانا في الثامن والثلاثين من القرن التاسع عشر، ولكن الفرنسيين نقضوا هذه المعاهدة سرًا وهجموا على المدن الجزائرية المساندة للأمير عبد القادر ثم قاموا بحرق المنازل واغتصاب النساء وقتل الرجال العزل فيها، فهب الأمير ومن معه للجهاد ولكن تمكنت القوات الفرنسية من ردعهم عن طريق تفريق القبائل الجزائرية بعضها عن بعض وهي السياسة الشهيرة التي اتبعتها أغلب الدول الاستعمارية “فرق تسد”، ولم يستطع الأمير عبد القادر صد هذا الهجوم الجديد فاتبع سياسة الكر والفر وانتصر في معركة سيدي إبراهيم عام 1845، وبعدها هجمت القوات الفرنسية بشدة على الجزائريين حتى هرب الأمير إلى بلاد المغرب المجاورة طالبًا الدعم من السلطان عبد الرحمن بن هشام ولكنه لم يستطع تلبية ذلك الأمر نظرًا لتهديدات الفرنسيين له بضرب بلاده في عقر دارها.

ولكن الأمير عبد القادر لم يقوى على صد الفرنسيين طويلًا فقرر الذهاب مجددًا إلى المغرب فقام بن هشام بمنعه بالقوة وسير جيشه لمقاتلة عبد القادر، ولم يكن في نية الأمير عبد القادر قتاله ولكنه اضطر لذلك الأمر بعدما أفتى له الفقهاء المصريين بإباحة محاربة سلطان المغرب، وبالفعل تواجه الفريقان وانتصر الجزائريين على المغاربة وقتل منهم الكثيرين، ولكن بعد انتهاء المعركة علم الأمير عبد القادر أن الفرنسيين بقيادة القائد لامورسيال ينتظرونهم على الجانب الأخر للقضاء عليهم بعدما استنفذت قوتهم على الحدود المغربية، وضاقت الأرض على الأمير من الجانبين المغربي والفرنسي حتى استسلم لهم في الرابع والعشرين من 1947.

قمع الأمير عبد القادر الفتنة الطائفية في بلاد الشام

بعدما أسر الأمير عبد القادر تم نقله إلى فرنسا مع أنه من المفترض أن ينقل إلى مصر أو فلسطين لكن هذا ما حدث، وزج به في السجن لمدة ثلاثة أعوام ونص ولكن بعدها تم إطلاق سراحه من قبل لويس نابليون رئيس فرنسا، فخرج عبد القادر مسرعًا إلى تركيا حيث الدولة العثمانية وظل هناك بعض الوقت ثم قرر الذهاب إلى بلاد الشام تحديدًا في سوريا، فشرع بالتدريس وإلقاء العلم والفقه في الجامع الأموي بدمشق، وقد حدثت فتنة طائفية بين الموارنة والدروز بعد خمسة أعوام من دخوله دمشق ولكنه وبفضل الله استطاع إطفاء نيرانها المتوهجة، وذلك بالتواصل مع رؤساء الموارنة والدروز لتهدئة الأوضاع بل وفتح أبوابه لطائفة الموارنة المستضعفة وقتها، وساعده الجزائريين القاطنين معه أيضًا ولكن للأسف قتل منهم بعض الأشخاص أثناء حماية الموارنة.

ونتيجة هذا الاستبسال الرهيب منه ومن اتباعه تمكن من قمع الفتنة وإنقاذ ما يتجاوز العشرة آلاف من الذين كانت أقدامهم في الفتنة، وهذا ما جعل من الأمير عبد القادر هو أعظم مثال للحرية والكرامة الجزائرية حتى ما زالوا يحكوا ويتحاكوا به في كتبهم وأغانيهم، فهو بكل فخر قائد حرب التحرير الأولى للجزائر.

الكاتب: أحمد علي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

سبعة + سبعة عشر =