الرئيسية الشخصيات لماذا يعد أحمد خالد توفيق الأب الروحي لمواليد الثمانينات؟

لماذا يعد أحمد خالد توفيق الأب الروحي لمواليد الثمانينات؟

0

أثارت وفاة الكاتب المصري أحمد خالد توفيق في الآونة الأخيرة حالة من الوجوم والحزن التي خيمت على شبكات التواصل الاجتماعي ومواقع القراءة وتقييم الكتب ولعلنا نعرف أن معظم القُراء والمستخدمين لهذه المواقع الذين أثاروا هذه الحالة من الحزن واستحضار ذكرياتهم مع هذا الكاتب والذي كان بمثابة أبا روحيا لهم من مواليد فترة الثمانينيات وحتى أوائل التسعينات، فما السر وراء شهرة هذا الكاتب وإثارته هذه الحالة من الحزن والألم لرحيله؟ هذا ما سنتحدث عنه في السطور القادمة حتى نعرف ما هي أسطورة هذا الكاتب وكيف استطاع التأثير في كل هذه الأجيال والفئات العمرية؟

أدب النشء

ربما لا يعي معظم الناس أهمية أدب النشء وتأثيره في عقول شباب الغد وقادة المستقبل، استطاع أحمد خالد توفيق بمهارة شديدة أن يؤسس بنفسه ولنفسه مساحة جديدة من أدب النشء، مساحة شاسعة سبقه إليها من قبل بتسع سنوات كاملة المؤلف نبيل فاروق برجل مخابراته النادر الأول من نوعه المثالي الكامل المُكمل الذي كان لا يقهر أبدا ولا يهزم أبدا “أدهم صبري”، ولكن لا ريب أن ما كان يبهر طفلا في الثانية عشر أو الثالثة عشر شعر بالمبالغة حينما كبر وأصبح في الثامنة عشر وهو يرى أدهم صبري يخرج من كل محنة أقوى من ذي قبل بطريقة لا يصدقها إنسان، أما أحمد خالد توفيق فقد سحب البساط لمناطق أكثر رحابة، إلى أدب الرعب كمدخل لإمتاع النشء وفي نفس الوقت تثقيفهم، ومن يتلقف مراهقين في عمر الزهور لكي يثقفهم ويمتعهم في نفس الوقت يستحق أن يكون الأب الروحي لهم ولذلك كان أحمد خالد توفيق هو الأب الروحي لهذا الجيل الذي يتراوح الآن ما بين منتصف العشرينات وحتى منتصف الثلاثينات.

سلسلة ما وراء الطبيعة

بدأت سلسلة ما وراء الطبيعة في العام 1998 حسب موقع الجودريدز وهذا أقرب للمنطق والواقع حيث أنها انتهت في العام 2014 في العدد الثمانين، مع العلم أنها كانت تصدر شهريا، في حين أنه شائع على الإنترنت بأنها بدأت في العام 1993، وبغض النظر عن التاريخ الحقيقي لصدور السلسلة ورغم أنني أبصرت هذه السلسلة بالفعل في بداية الألفية الثالثة فعلا، إلا أننا نقول أنه استطاع بها الكهل المريض الدكتور رفعت إسماعيل بطل السلسلة أن يجذب مراهقين في حكاياته اللامتناهية حول الظواهر الخارقة في جو رعب وحابس للأنفاس.

رفيق مراحل مفصلية

إذا قرأ مراهق في السادسة عشر عام 2000 مثلا سلسلة ما وراء الطبيعة لأول مرة فإنه سينتهي منها عند العدد الأخير وهو في الثلاثين من عمره، لابد أنه مر بمراحل عدة، أحداث كثيرة حدثت له وهو لا زال مداوما على قراءة السلسلة، وهو لا زال أحمد خالد توفيق يصحبه في رحلته عبر الأيام والسنين، مواقف كثيرة مر بها، أفكار تغيرت وعقائد انهارت وحلت بدلا منها عقائد مغايرة، ولا زال أحمد خالد توفيق الصديق الذي يقف إلى جوار صديقه، فلهذا كان أحمد خالد توفيق هو الأب الروحي لهذا الجيل.

فتح أحمد خالد توفيق آفاق جديدة

استطاع أحمد خالد توفيق أن يفتح آفاقا جديدة ويثري المكتبة العربية حقا بنوع جديد من الأدب لم يكن معروفا من قبل، تم الكتابة فيه بشكل متقطع ولعل أبرز من كتبوا أدب الرعب قبل أحمد خالد توفيق الكاتب نهاد شريف الذي كان يكتب في هذا المجال وحولت قصصه لأفلام مثل فيلم قاهر الزمن لنور الشريف وآثار الحكيم ولكنه كان يكتب أكثر فيما يختص بالأدب العلمي حيث كان ينظر أكثر للمستقبل ومن أبرز رواياته “رقم 4 يأمركم” بينما ركز أحمد خالد توفيق على الأساطير والظواهر الخارقة العجيبة وغيرها، وبالتالي فقد أنشأ رفا جديدا في المكتبة العربية باسم “أدب الرعب للنشء” لم يكن موجودا من قبل.

تثقيف ومفاتيح للبحث

لم تكن روايات أحمد خالد توفيق تتمحور حول الرعب فحسب بل كان يلقي بين يدي الشباب معلومات ضخمة في سياق القصة، لا يمكن الاعتماد عليها بالطبع ولكن على الأقل كان يعمل على دفع الشباب للبحث وإعطاءهم مفاتيح للتفتيش عن أصول هذه المعلومات والاستزادة منها، فكان يتحدث عن ظواهر تاريخية وعن آداب وعلوم وفنون وحضارات وأحداث وقعت وغير ذلك، مما حدا بهؤلاء الشباب التبحر في القراءة فيما بعد أي بمعنى أصح كان أحمد خالد توفيق الباب الذي ولج منه شباب اليوم ورجاله إلى عالم المعرفة والثقافة والأدب.

اهتمامه بالشباب والقرب منهم

لم تكن أعداد سلسلة ما وراء الطبيعة وغيرها مما أصدرها مثل سفاري وفنتازيا تصنع حدودا بين الكاتب والقارئ، استطاع أحمد خالد توفيق أن يهتم بالشباب ويقترب منهم ربما أكثر من أسرهم، فتح لهم مجالا للتعبير ومساحة لإبداء الرأي وأن يكون لهم صوتا، لم يكن أحمد خالد توفيق مجرد كاتب متعجرف يطل على القراء من برج عاجي، بل اهتم بالتواصل مع الشباب أكثر وأكثر بأن فتح لهم بابا ملحقا في كل عدد لاستقبال المراسلات والمشاركات من القراء في كل بلدان الوطن العربي.

أحببناها صغارا واحترمناها كبارا

كما قلنا بالأعلى أن ميزة أحمد خالد توفيق أننا لو كنا أحببنا إصداراته صغارا فإننا لا زلنا نحترمها كبارا ونعود إليها ونحن أوشكنا على الثلاثين عاما أو ربما هناك من تخطوها ولا نشعر أن ثمة فجوة كبيرة بيننا وبينها، ذلك أنه لم يكن مبالغا أو مفتعلا أو مبتذلا، كل كلمة كتبها كانت صادقة وحقيقية حتى في أكثر رواياته خيالا، ولأنه كان صادقا فقد صدقناه وعشنا معه وجعلنا منه أيقونة جيلنا، الكتاب الذي شهد على فترات الصبا والمراهقة والشباب والنضج، الكاتب الذي استحق أن يكون هو الأب الروحي وعرّاب الجيل باقتدار وامتياز.

التواضع والخلق

لم يحدث أن كانت شخصية أحمد خالد توفيق بعيدة بكثير عن رفعت إسماعيل، فقد كان أيضًا متواضعا وخلوقا إلى درجة كبيرة، بعيدا صحيح عن الأضواء وكاميرات التلفزيون وعدسات المصورين، لم يعش أبدا ككاتب نجم يتسول الاهتمام المؤسسي أو يتعالى على قرائه، كان دائما عند حسن ظنهم، قريبا منهم إلى أقصى درجة بل ومادا يد العون إليهم إذا ما احتاجوه، لم يحدث أبدا أن حكى أحد عن أحمد خالد توفيق أنه فعل معه موقف يدل على الكبر والصلف، بل كان دائما مثلما أحبوه أبناءه، ودودا وحنونا وطيبا ومعطاءً.

مواقف أحمد خالد توفيق الواضحة

آخر ما يمكن أن يقال عن أحمد خالد توفيق أنه لم يخذل أبناءه أبدا، لم يقف أبدا في صف الظالم ويترك المظلوم ولم يتنصل من أحلام الجيل الذي ترعرع على كتاباته ليأخذ صف المستبدين العجائز ولم يتنكر للحق لكي يناصر الباطل، مواقف أحمد خالد توفيق السياسية كلها مشرفة وتضع نصب عينيها المثل العليا للحرية والعدالة الاجتماعية وإرساء مبدأ التعايش والمحبة.

خاتمة

أحمد خالد توفيق يستحق أن يكون عرّاب هذا الجيل وبالفعل أطلق عليه الشباب هذا اللقب لأنه يستحقه عن جدارة بعد أن أخذ بأيديهم إلى واحة القراءة والعلم والثقافة، فكان خير مدخل لهم.

Exit mobile version