لماذا يعتبر يوسف وهبي رائد أفلام الرعب في السينما العربية؟

أسباب اعتبار يوسف وهبي رائدًا في سينما الرعب العربية

ربما ستندهش إذا عرفت أن يوسف وهبي قد صنع واحدا من أشهر أفلام الرعب في وقت مبكر من عمر السينما العربية، فكيف أصبح هذا الفنان رائد أفلام الرعب في السينما؟ ولماذا ينسب إليه الريادة في مجال أفلام الرعب في السينما العربية؟

0

يعتبر الفنان الشامل يوسف وهبي رائد أفلام الرعب في السينما العربية وقد بدأت أفلام الرعب بولادة السينما مطلع القرن الفائت حيث كانت تعتمد على أجواء مصاصي الدماء وفرانكشتاين وغيرها لكن يوسف وهبي استطاع تعريف العالم على ما يسمى بأفلام الرعب وذلك من خلال فيلمه الخالد سفير جهنم والذي لا زال حتى الآن رغم مرور أكثر من 75 عاما على إنتاج الفيلم إلا إنه لا زال يحظى بالجماهيرية والقبول فضلا عن ريادته في تقديم هذه النوعية من الأفلام مما يحدو بالفنان يوسف وهبي أن يكون رائدا لفن أفلام الرعب في السينما العربية.

فيلم سفير جهنم

فيلم سفير جهنم من تأليف وإخراج وبطولة يوسف وهبي وهو من الأفلام المتميزة والرائدة في مجالها حيث أنتج في العام 1945 وقد شارك في البطولة إلى جوار يوسف وهبي الفنان فؤاد شفيق وفردوس محمد وليلى فوزي والمطرب عبد الغني السيد وشرفنطح، وتدور أحداث الفيلم في قالب رعب اجتماعي خيالي إنساني، حول غواية الشيطان وكيف أنه يصطاد ضعاف القلوب وذوي الظروف المعدمة من أجل إبهار أعينهم بالملذات كي يبتعدوا عن الطريق القويم والمنهج الصحيح للحياة القائمة على التقوى والأخلاق والضمير والأمانة والصدق.

القصة غير المألوفة

يبدأ الفيلم بفتاة تجلس مع والدتها وتسألها عما تقرأ فتقول لها أنها قصة سينمائية من تأليف يوسف وهبي واسمها “سفير جهنم”، بهذه البداية الغريبة عن السينما يبدأ يوسف وهبي فيلمه ونلاحظ عبد الخلاق المدرس المعدم المُهان في عمله والمرهق في بيته، بسبب مرض امرأته ونكدها وبسبب فلتان ابنه وفجور ابنته وهو يتلقى زيارة من الشيطان بعد إرشاد أحد جواسيسه عن الصيد الثمين وبالفعل يذهب الشيطان الذي يقوم بدوره يوسف وهبي لزيارة عبد الخلاق في بيته على أساس أنه مبتعث من شقيقه الذي توفي بالخارج ولديه نقود وثروة تركها له بكاملها بشرط أن يترك التقوى والإيمان ويقسم على الإثم والعصيان مقابل الثروة وأن يعودا إلى الحيوية والشباب أيضًا، القصة لم تكن مألوفة أبدا بهذا الشكل في هذا الوقت وبها من الجرأة ما لم يكن معتادا وقتها، إلا أن يوسف وهبي استطاع أن ينفذها مما استحق أن يكون رائد أفلام الرعب في السينما العربية.

يوسف وهبي والخروج عن السائد

استطاع يوسف وهبي أن يبتكر فكرة جديدة بعد الخروج عن السائد وقتها، فاستطاع عمل توليفة بين الكوميدي والغنائي والاجتماعي والإنساني والخيالي بطريقة متقنة وخرج عن عباءة الأفلام الجادة الاجتماعية كفيلمه السابق “غرام وانتقام” وخرج عن عباءة الأفلام الناجحة وقتها كأفلام محمد عبد الوهاب ونجيب الريحاني وأخرج هذه الفكرة التي استطاع بها أن يباري الأفلام العالمية التي كانت وقتها فترة عقد الأربعينات إما أن ترجع للقديم وتقتص منه كفيلم “لص بغداد” أو أفلام واقعية رومانسية تدور على هامش الحرب مثل الفيلم الخالد “كازابلانكا” أو أفلام متأثرة بموجة الواقعية الجديدة التي نشأت في هذا الوقت مثل “إنها حياة جميلة” و”سارق الدراجة” في إيطاليا، مما يعني الإبداع في أبهى صوره وهذا هو دور الفنان ألا ينحت من الموجود ويعيد تقديمه وابتذاله وتقليده بطريقة ممسوخة ومنعدمة التأثير ولكن أن يبتكر هو بنفسه ويجدد ويقدم الفن الطازج بغض النظر عن حسابات السوق والرائج فيه، لذلك أصبح فيلم سفير جهنم من أعظم الأفلام في السينما العربية.

المغامرة

للخروج عن السائد طبيعته ولن يستطيع الفنان أن يخرج عن السائد ويلعب خارج المنطقة الآمنة ويجرب بعيدا عن الخلطة المضمونة والرائجة وقتها دون حس المغامرة، خصوصًا أنه يلعب في منطقة قد تبدو حساسة بعض الشيء ناهيك عن الخوف من أن يصبح الفيلم حلقة وعظية بحتة تنأى عن أي حس فني وأسلوب جمالي في تناول الموضوعات ومعالجة القضية مما يعني أن يوسف وهبي اختار أن يجازف ويغامر ويخرج عن المألوف من أجل نتائج غير مضمونة ولكن ثمار مغامرته هذه نجدها واضحة وجلية ويكفي أن نتذكر أن هذا الفيلم الرائع بعد 75 من إنتاجه ونتابعه كلما شاهدناه على التلفزيون فضلا عن الجماهيرية التي نالها في عصر الإنترنت.

شعرية الحوار

عمل يوسف وهبي بمهارة على كل أجزاء الفيلم ولم يترك عنصرا واحدا لم يعمل عليه جيدا مما جعل الفيلم يخرج بهذا المستوى المشرف والرائع فالحوار الذي كتبه يوسف وهبي نفسه يدخل في إطار السجع وهو أن تنتهي أواخر الجمل بنفس الحرف فينتج مباراة حوارية بنفس القافية تخلق متعة رنانة للحوار وبعيدا عن هذا كان حوار الفيلم متقنا ورائعا لأقصى درجة واستطاع صنع جمل متقنة تليق بأجواء الفيلم ولم تنفصل عنه أبدا، مما جعل الحوار أحد أبرز عناصر تميز الفيلم وتوصيل أجواء الرعب إلى المشاهد مستشعرا إياها حتى الآن.

جودة المستوى بالنسبة للإمكانيات المحدودة

بالنسبة لعمل رعب عام 1945 فهو شيء من الخيال بالطبع ولو لم تكن رأيت الفيلم من قبل فإنك ستتصور فيلما بدائي الإمكانيات محدود الأدوات لدرجة تثير الاشمئزاز ولكن مستوى الإمكانيات في الفيلم فيما يختص بالديكور والإضاءة والمكياج والمؤثرات البصرية كاستخدام الدخان وغيرها فضلا عن أماكن التصوير تجعلنا ندرك الجهد الرائع المبذول في الفيلم بطريقة لا تجعلنا نصدق أننا أمام فيلما مصريا أنتج في الأربعينات لأن هناك أفلام أخرى أنتجت بعد الفيلم بعقود كثيرة ولم تستطع حتى بلوغ هذا الحد من المستوى والإتقان رغم توافر الإمكانيات لديها مما يجعلنا نعرف أن يوسف وهبي واحد من أهم الفنانين في عصره وهو الذي خطا بالسينما خطوات واسعة للأمام ويعتبر رائد أفلام الرعب في الأفلام العربية.

أصالة الفيلم

أجمل ما في فيلم سفير جهنم أنه استطاع استلهام أحداثه من خلال المجتمع المعاصر ولم يقتبس أحداثه من أعمال أخرى أو يقلد أفلام أجنبية سابقة بل كان أصيلا في طرحه ومعالجته للموضوع حول الشيطان الذي توعد البشر بغوايتهم منذ الأزل وها هو في حلقة جديدة من حلقات غوايته نكشفها على الشاشة. استطاع الحفاظ على وتيرته طوال أحداث الفيلم مما يعني أننا أمام تحفة فنية أصيلة وحقيقية ولولا أصالة الفيلم ما كان خلد في أذهاننا حتى الآن وما كان استمر لتعرفه الأجيال الجديد التي ولدت بعد إنتاجه بأكثر من نصف قرن.

الموسيقى والأغاني

ربما لو سمعت موسيقى الفيلم ستقول أنها مزيج من الموسيقى العالمية خصوصًا موسيقى المقدمة التي تشبه إلى حد كبير موسيقى فيلم “أوديسا الفضاء: 2001” الشهيرة، ولكن إذا عرفت أن الموسيقى في الفيلم قد صنعت خصيصًا له هذا بخلاف أن مؤلفها هو مصري أيضًا وهو الموسيقار إبراهيم حجاج الذي اشتهر بوضعه الموسيقى التصويرية لعدد من الأفلام المصرية الشهيرة، وموسيقى هذا الفيلم استطاعت تفهم أجواء الفيلم وأوصلتها بأكثر الطرق مهارة، وأكاد أجزم أنه لولا موسيقى الفيلم ما كانت وصلتنا أجواءه بهذا الشكل حتى الآن.

خاتمة

يوسف وهبي واحد من رواد أفلام الرعب العربي ويكفي مغامرته ومخاطرته وتقديمه لفيلم من هذه النوعية في وقت مبكر من عمر السينما العربية ومع ذلك استطاع النجاح وأن يخلد بفيلمه حتى الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ثلاثة × 2 =