موقع يجيب على كل سؤال يبدأ ب : لماذا او ليه او ليش

نازك العابد : لماذا لقبت نازك العابد بسيف دمشق ؟

سيف دمشق وجان دارك العرب.. لماذا أطلقت تلك الألقاب على نازك العابد ؟، وما قصة نضالها؟ وكيف تعددت أشكاله؟ وكيف أصبحت بهذه الشهرة؟

0

نازك العابد أو سيف دمشق أو جان دارك العرب، جميعها ألقاب تسبق اسم واحد، اسم لا يمكن دراسة التاريخ دون التوقف عنده، والنظر بعين الإجلال والتقدير إلى الدور المحوري الذي لعبه، والتأثير العظيم الذي أحدثه.. فـ نازك العابد دورها النضالي لم يقتصر فقط على وطنها سوريا، فهو بدأ كذلك لكنه تنامى فيما بعد حتى عبر الحدود، وامتد ليشمل القضايا التي تؤرق الدول العربية جميعها، وخاصة قضية دولة فلسطين واحتلال العصابات الصهيونية لها.

نازك العابد من تكون وما دورها :

إذا عقدنا مقارنة بين اسماء مثل جميلة بوحريد وصفية زغلول ونازك العابد ،سنجد أن نازك هي الأقل شهرة تقريباً، وذلك ليس تقصيراً منها بل هو جهل منا، إذ أن ما قامت به نازك العابد خلال مشوارها، لا يقل مثقال ذرة عما قامت به غيرها من العظيمات.. فمن تكون؟

الميلاد والحياة المبكرة :

البدايات جميعها تتشابه لكن النهايات ليست دوماً كذلك، فجميع القصص العظيمة بدأت كالقصص التقليدية، بلحظة الميلاد، وقصتنا اليوم تعود بدايتها إلى عام 1887م، ذلك من حيث الزمان، أما عن المكان فقد كان أرض دمشق بدولة سوريا الأبية، حيث استقبلت الأسرة الدمشقية العريقة مولودتها، وأطلق والدها سليل العائلات الكبرى على طفلته اسم “نازك”.. نازك العابد

إعلانات

نشأت نازك العابد في بيت عريق لأسرة ميسورة الحال، فوالدها هو مصطفى باشا العابد أحد أعيان دمشق آنذاك، والذي تقلد في نهايات العصر العثماني منصب والي الموصل، ووالدتها السيدة فريدة الجلاد سليلة أسرة عريقة أخرى من أسر دمشق، إلى ذلك الحد تبدو القصة مثالية لأبعد مدى، لكن من عادة الرياح أن تأتي بما لا تشتيه السفن، وذلك ما جرى تحديداً مع بطلتنا نازك العابد ،فزمن بطولتها السعيدة انقضى باندلاع الحرب العالمية الأولى، ونتيجة لذلك نُفيت مع عائلاتها إلى مدينة إزمير في تركيا.

التعليم :

تأثرت نازك العابد تأثراً بالغاً بتجربة النفي، التي كانت ذات وقع قاسي على نفسها كطفلة، لكن طبيعتها المثابرة والمقاتلة التي بداخلها مكناها من تجاوز الأمر، وعائلتها رغم تبدل الأحوال حرصت على تعليمها، وما زاد من إصرارهم على ذلك هو ما أبدته الطفلة من تفوق مبكر وذكاء مُبشر، فتعلمت فن التصوير وفنون الموسيقى وعزف البيانو، كما اهتمت نازك العابد بالإلمام بفنون التمريض وإجراء الإسعافات، وذلك كله بجانب دراستها للمواد العلمية التقليدية، لكن أكثر ما كانت نازك العابد متفوقة به، هو تعلم اللغات الأجنبية، فقد كان الأمر بالنسبة لها أشبه بالموهبة أو المنحة الإلهية، حتى أنها في بداية شبابها كانت تتقن التحدث بثلاث لغات أوروبية، هم اللغة الإنجليزية والألمانية والفرنسية بجانب إجادتها لقواعد اللغة العربية وتمكنها منها.

النضال من أجل تحرير المرأة :

بدأت نازك العابد حياتها النضالية في وقت مبكر، فقد عانت مثلها مثل كافة بنات ونساء العرب، من المفاهيم المقمعة للمرأة والمُهمشة لدورها، لكن طبيعة نازك العابد الثائرة والمتمردة، أبت أن يقتصر رد فعلها على كظم الغيظ والاستسلام، وقررت أن تجهر برأيها وأن تعلن تمردها على تلك المفاهيم، وذلك كان من خلال نشرها لعدة مقالات بلغات مختلفة، ودعت من خلالها إلى العديد من الأفكار التنويرية، ونادت بضرورة تحرير المرأة ورد حقوقها إليها، ومن بين الجرائد الرائدة التي أتاحت لـ نازك العابد التعبير عن آرائها، جريدة الحارس وكذلك مجلة العروس المملوكة للسيدة ماري عجمي.

مجلة نور الفيحاء :

مقالات نازك العابد المتعلقة بحقوق المرأة، لم تكن مجرد صرخة تنفس بها غضباً أو مجرد زوبعة عابرة، بل إنها كانت وسيلة تهدف من خلالها إلى تحقيق الغاية، وما يثبت ذلك هو محاولتها الدائمة لتطوير وسائلها، وقد اتيحت لها فرصة تحقيق ذلك عام 1920م، حين تولت منصب رئيسة جمعية النجمة الحمراء، ومن خلال منصبها هذا تمكنت من إصدار وتوزيع مجلة نور الفيحاء، التي تنتمي إلى الإصدارات الأدبية الاجتماعية، أما الهدف منها فكان الارتفاء بالمرأة ودورها المجتمعي، وكذلك يعود الفضل إلى نازك العابد في تأسيس النادي النسائي الشامي، وكذلك مدرسة خاصة بتعليم البنات سُميت بمدرسة بنات الشهداء، وهذا كله كان بجانب مشاركتها بعدد كبير من الأعمال الخيرية والخدمية، ولعل أبرزها هو قيام نازك العابد بإنشاء مصنع للسجاد، وهو مشروع غير ربحي إذ كان ريعه مخصصاً لصالح رعاية الأيتام.

النضال ضد الاحتلال :

حياة نازك العابد ما هي إلا سلسلة مديدة من النضالات، فتلك السيدة الفاضلة والمُبهرة لم تتوقف عن النضال يوماً، ومع إعلان الانتداب الفرنسي على أراضي دولة سوريا، كانت نازك العابد على موعد من نوع آخر من النضال، نوع أكثر شراسة ضد خصم أكثر ضرواة وقسوة، وهو المحتل الفرنسي الذي جاء مغتصباً لحقوق أمتها، فما كان من نازك العابد إلا أن انضمت إلى حرائر سوريا الدمشقيات، وشاركتهن المعركة المصيرية، ونضال نازك العابد ضد الاستعمار قد مر بمراحل مختلفة.

النضال المعلن :

المرحلة الأولى لنضال نازك العابد ضد المستعمر الفرنسي، تعرف بمسمى “مرحلة النضال المعلن”، وقد بدأت تلك المرحلة بابتداء الانتداب الفرنسي.. وتمثل نضال نازك العابد خلالها في تنظيم التظاهرات الحاشدة، وإلقاء الخطب الملهمة والملهبة للحماس، وكذلك إقامة الندوات والاجتماعات التوعوية، والتي تُعرف الجموع بخطورة الظرف الراهن آنذاك وضرورة التصدي له.

إعلانات

كثيرون من ابناء الشعب السوري اتخذوا مواقف مماثلة آنذاك، لكن قليلون هم من تمكنوا من إحداث تأثير مماثل، أو استطاعوا تحقيق نتائج كالتي حققتها نازك العابد ،ويشهد بصحة ذلك العدو نفسه، الذي ضاق صدره بأنشطة نازك العابد التنويرية، وتمكنها من حث الشعب السوري على رفض الانتداب والثورة عليها، فقام المستعمر بهدم كافة منابر نازك العابد ،فأغلقت مدرستها وحُظِرت مجلتها، كما تم منع نازك العابد نفسها من الحضور بأية فاعليات أو ندوات.

النضال السري :

لو كان يعلم المستعمر الفرنسي حقيقة ما سيجنيه، لربما قرر أن يترك لـ نازك العابد قلمها وكلماتها، فمنعها من ممارسة نضالها الفكري المُعلن، كان سبباً في توجه نازك العابد إلى وجه العملة الآخر، وهو النضال السري القائم على المواجهة المُسلحة مع العدو، واستطاعت نازك العابد خلال فترة وجيزة أن تكون من أبرز أعضاء المنظمات السرية، وبمعاونة رفاقها استطاعت تكبيد المستعمر الفرنسي خسائر فادحة.

تجربة النفي :

أدرك المحتل الفرنسي حقيقة الخطأ الذي ارتكبه، حين قام بإغلاق مجلة نازك العابد ومدرستها، وصحح ذلك الخطأ بإصداره قراراً بنفيها خارج البلاد، فقد كان قد تيقن أخيراً من إنها لن تكف عن مناهضته طالما هي داخل البلاد، ومن ثم كانت مدينة أسطنبول في تركيا هي محطتها التالية، حيث قضت هناك عامين بالفترة ما بين 1920م: 1921م، ورغم ذلك لم تتوقف عن مواصلة نضالها وسعيها إلى تحقيق هدفها، فراحت تجوب عواصم العالم، وتحث المجتمع الدولي على اتخاذ موقف تجاه العدوان التي تتعرض له بلادها، وكان ذلك الفعل سبباً في شهرة نازك العابد ،التي تصدرت عناوين الصحف العربية في ذلك الوقت، وتم إطلاق عليها العديد من الألقاب منها “سيف دمشق” و”جان دارك العرب”.

العودة والثورة :

اشتهرت نازك العابد دولياً وذاع صيتها وسط الساسة والمثقفين، مما أرغم المحتل الفرنسي على التفاوض معها، وكان يعلم نقطة ضعف نازك العابد الوحيدة جيداً، وهي عشقها لوطنها ورغبتها في العودة إليه، فعرض عليها العودة إلى سوريا، مقابل أن تتعهد بعدم المشاركة في أعمال تمس سلطة الاحتلال، وأنها ستكون رهن الإقامة الجبرية بمزرعتها في ضاحية دمشق.. وافقت نازك العابد ظاهرياً على الشروط وعادت إلى سوريا، وقضت أيامها في الاشتغال بمجال الزراعة، إلى أن حانت اللحظة التي كانت تنتظرها في عام 1925م، حين اندلعت كبرى الثورات السورية ضد المستعمر، وبالتأكيد نازك العابد كانت بالصفوف الأمامية للثوار، بل إنها قادت بعض الفرق باعتبارها على دراية بجغرافيا المنطقة، وقامت نازك العابد بذلك وهي متنكرة في زي وهيئة رجل.

العمل التطوعي :

نازك العابد لا تستطيع العيش إلا إن كان عيشها من أجل الآخرين، ولذلك فإن نضالها وكفاحها لا يتوقف أبداً، وحين زالت الغمة وانقضى زمن الاحتلال عن بلادها، وسعت نازك العابد دائرة اهتماماتها ونضالها، فقامت بتأسيس جميعة مكافحة البغاء اللبنانية، متحدية بها سلطة الانتداب الفرنسي المُشرعة لقوانين تبيح انتشار تلك الآفة، وفي عام 1948م كانت نازك العابد من أوائل المتضامنين مع الشعب الفلسطيني، وقامت بتأسيس جمعية مشهرة لمساعدة اللاجئين منهم، وذلك كله كان بمساعدة زوجها اللبناني المؤرخ محمد جميل بيهم، والذي يعد من بين رواد النهضة الفكرية التنويرية، والمعروف بإيمانه ومناصرته لقضايا المرأة ودعوته لتحررها.

الوفاة :

في عام 1959م انتهت الأسطورة، حيث توفيت نازك العابد في مدينة بيروت اللبنانية، عن عمر ينهايز 72 عاماً، قضتهم كلهم في النضال ومناصرة الضعفاء والمظلومين، فاستحقت بجدارة أن يُخلد ذكرها في كتب التاريخ، وأن تحمل ألقاباً مثل وردة دمشق وسيفها..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

sixteen + seventeen =