لماذا يُلقب شارلي شابلن بالمضحك الحزين؟

شارلي شابلن هو أحد أنجح وأشهر نجوم الكوميديا في التاريخ، يشتهر بمظهر شخصية الصعلوك التي قدمها بأكثر من فيلم، ومن خلالها أبهج العالم ورسم الابتسامة على شفاه، لكن هل تساءلت من قبل كيف كانت حياة ذلك المبهج خلف القبعة والشارب؟.. الإجابة تكمن في استعراض أهم مراحل ومحطات حياة شارلي شابلن

 شارلي شابلن من البؤس إلى الشهرة :

شارلي شابلن وُلِد لأبوين يعملان بالمجال الفني، هذه المعلومة قد تدفع البعض لتصور أن طريقه إلى عالم الشهرة كان ميسراً، لكن الحقيقة معاكسة لذلك التصور تماماً، فقد كافح شارلي شابلن كثيراً في سبيل تحقيق حلمه، ومر خلال حياته بالعديد من المراحل وواجه العديد من الصعاب، والمطاف الذي انتهى به مشهوراً ثرياً بدأه فقيراً متشرداً بائساً.

 ميلاد شارلي شابلن :

الإبداع حين يولد لا يولد إلا من رحم المعاناة، هذه المقولة دائمة الترديد نختلف معها كثيراً، لكن لعلنا نتفق معها حين نستعرض نشأة شارلي شابلن .. فخلال عام 1888م التقى سبنسر شابلن أحد المغنيين الفرنسيين للميوزيك هول بممثلة ناشئة يهودية الأصل، وقررا الزواج وفي الشهر الرابع من العام التالي 1889م استقبلا مولودهما الأول، واختاروا له اسم “شارلي”، وكانا يصحبا طفلهما ذو العامين إلى البروفات والحفلات الغنائية التي يشاركان بها، وكان الطفل يظهر تأثراً واندماجاً كبيراً مع الموسيقى رغم عدم إداركه بحقيقتها، لكن الحال أبى أن يبقى على استقامته هذه لفترة طويلة، وقبل أن يتم شارلي شابلن العام الثالث من عمره قرر أبويه الانفصال، ورحل الأب تاركاً الصغير مع أمه الوحيدة البائسة.

 مرحلة الطفولة المبكرة :

حياة شارلي شابلن مع والدته ليلي هارلي اتسمت بالبؤس، وعاشا معاً في ضاحية لندن الأكثر فقراً المعروفة باسم “والورث”، ثم زادت الأحوال سوءً بعدما تم رفد الأم من المسرح؛ بسبب إصابتها بحالة مرضية أثرت على صحة أحبالها الصوتية، فعانت الأسرة الصغيرة من ويلات الفقر، فاضطر الصغير شارلي شابلن إلى العمل كماسح للأحذية بشوارع لندن، وكان يعاونه في ذلك أخيه الأكبر -غير الشقيق- سيدني، ثم تدهورت الأمور أكثر من ذلك فلم تعد الأم قادرة على توفير الطعام حتى لطفليها، مما أدى إلى إيداع السلطات للطفلين بملجأ “لامبث”، وبعد مجموعة أسابيع قامت السلطة الإنجليزية بنقل شارلي شابلن وشقيقه إلى إحدى المدارس الداخلية، هي مدرسة “هانويل الداخلية” المخصصة للفقراء والمعدمين من الأطفال.

 العمل في الطفولة :

حصل شارلي شابلن على قسط من التعليم، ثم آن وقت خروجه من الملجأ إلى الحياة مرة أخرى، وما كان ينتظره بالخارج بعد الملجأ لم يختلف كثيراً عما كان قبله، فمع بلوغ تشارلي شابلن لعامه الـ 13 توفى والده تأثراً بإدمانه للخمور، وبعد فترة وجيزة تدهورت الحالة الصحية لأمه، وأصيبت بانهيار عصبي حاد أودعت على إثره داخل إحدى المصحات العقلية، ولم شارلي شابلن الصغير من يعتمد عليه أو يرعاه، فاضطر في ذلك العمر إلى البحث عن عمل يقتات منه، فلم يجد أمامه سوى أن يعمل كصبي مساعد في صالون حلاقة، ولم يجد ما يسلي به وقته سوى مراقبة المارة بالشارع، وفي أحد الأيام وقع بصره على رجل يمشي بطريقة غريبة، فانجذب إليه وتعلق به بصره، ثم حاول تقليد طريقته في المشي حتى اتقنها، وكان الأمر بالنسبة له مجرد لهو صبياني، ولم يدرك أن طريقة المشي هذه ستكون طريقة إحدى شهر شخصيات السينما الكوميدية.

 شارلي شابلن والعالم الجديد :

حين تجاوز عمر شارلي شابلن الـ20 عاماً، كانت بدأت أضواء العالم الجديد (أمريكا) تلوح في الآفق، وصار الانتقال إليه حلماً يراود المراهقين في شتى بقاع العالم، وكان أحد هؤلاء الآملين في الانتقال للعيش به المراهق العشريني سيدني، الذي عرض الفكرة على أخيه الأصغر شارلي شابلن ،وكان يتوقع منه أن يرفضها تمسكاً بعمله مع إحدى الفرق المسرحية بلندن، لكنه فوجئ بأخيه يظهر حماساً شديداً لفكرة الهجرة.. سيدني الكبير كان يسعى إلى النجاة من حياة الفقر والتقشف التي يعاني منها في ضواحي لندن، و شارلي شابلن كان يشاركه ذلك الأمل، بالإضافة إلى أنه وجد في الهجرة فرصة لتحقيق حلمه الذي طالما أبقاه سراً، وهو أن يترك عمله المسرحي ويتجه إلى التمثيل على شاشة السينما.

 الصعلوك شارلو :

بعد رحلة بحث طويلة وشاقة نجح شارلي شابلن في الحصول على أدوار صغيرة بإحدى الفرق المسرحية، وفي إحدى الليالي حضر إلى المسرح ماك سينت، وهو أحد أشهر مخرجي الأفلام الكوميدية بأمريكا في ذاك الوقت، الذي غادر المسرح مصطحباً معه الشاب ذو الـ24 عاماً، متحمساً له مؤمناً بأنه سيكون له مستقبل مشرق في عالم الكوميديا.. اصطحب ماك سينت اكتشافه الجديد شارلي شابلن إلى مكتب شركة “كيستوف” للإنتاج الأفلام، وهناك قدم لهم شارلي شابلن مشهداً كوميدياً انبهر به الشركاء بشركة كستوف، وتعاقدوا معه على العمل لصالحهم بالأفلام التي ينتجونها، وداخل مكتب شركة كستوف تم قام شارلي شابلن بمشاركة سينت والمنتجين، برسم تفاصيل شخصية “شارلو” الصعلوك أو المتشرد، واختاروا له بذلة سوداء مهترئة وقبعة صغيرة وشارب قصير، ليصنعوا بذلك أشهر شخصيات شارلي شابلن على الإطلاق، وإحدى أشهر الشخصيات الكوميدية بتاريخ الفن السينمائي عموماً.

 رؤيته السينمائية :

في الوقت الذي رأي الجميع فيه السينما مجرد سلعة ترفيهية، كان شارلي شابلن يرى فيها سلعة ثقافية، فلم يكن مبتغاه الوحيد إضحاك المشاهدين فحسب، إنما أراد أن يمرر العديد من الرسائل من خلال الكوميديا، وعمد إلى مناقشة العديد من القضايا الاجتماعية والسياسية، ويظهر ذلك بوضوح في الأفلام التي كان له الكلمة العليا فيها، حيث بعد النجاح الساحق الذي حققه صار يشارك في كتابة السيناريو، كما تولى شارلي شابلن إنتاج بعض الأفلام التي قدمها.

 حب البسطاء وكره السادة :

المضمون الذي حملته أفلام شارلي شابلن كان سبباً في اتساع شعبيته وسط البسطاء، فقد رأى فيه المهمشين حول العالم الناطق بلسانهم، أما رجال المال والسياسة فقد كانوا يبغضون شارلي شابلن بشدة، فرغم أنه حقق من الشهرة والثروة ما يجعله واحداً منهم، إلا أنه لم يتوقف عن انتقاد فساد مجتمعهم في أفلامه، وكان دائماً يناصر طبقة الكادحين والفقراء الذين تربى وسطهم.

 تهمته الشيوعية :

في عام 1948م وجه مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكي عدة تهم لـ شارلي شابلن ،بسبب آرائه السياسية التي أعلنها خلال فترة الحرب العالمية الثانية، وكان على رأس قائمة الاتهامات اتهامه بالانضمام إلى جماعات شيوعية، بجانب اعتباره أحد كبار الممولين للحزب الأمريكي الشيوعي، وهي الاتهامات التي قام شارلي شابلن بإنكارها خلال التحقيقات التي جرت معه، ولم يتمكن المكتب الفيدرالي من إثباتها وبالتالي لم تتم إدانته.

 وفاة شارلي شابلن :

امتدت مسيرة شارلي شابلن الفنية لسنوات عديدة، قدم على مدارها ما يفوق الـ80 فيلماً، أغلب يصنف ضمن أفلام السينما الصامتة بجانب عدد من الأفلام الناطقة، وبعد حياة مديدة مليئة بالبؤس والفجائع أراد له القدر أن يفارقها في ليلة مبتهجة.. ففي عام 1977م بليلة عيد الميلاد جمع شارلي شابلن ذو الـ88 عاماً الابناء والأصدقاء، ثم شعر بشيء من الإرهاق فستأذنهم وأوى إلى فراشه، تاركاً باب غرفته مفتوحاً على مصرعيه ليشاركهم فرحة العيد، وفي الصباح حين ذهبوا إلى غرفته ليهنئونه بعيد الميلاد وجوده قد فارق الحياة.

 الجنازة الأسطورية :

جنازة أسطورية هو أقل وصف يمكن أن توصف به جنازة شارلي شابلن ،تلك الجنازة التي احتشد بها أكثر من 30 مليون شخص رافعين صوره، يتقدم أكثر من 20 رئيس دولة حضروا خصيصاً من شتى أنحاء العالم، والعالم بأسره انتابه شعور بالغم والحزن لرحيل أسطورة الكوميديا.

التعليقات مغلقة.

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقاقرأ أكثر