لماذا يعتبر دي بي كوبر المجرم الأكثر غموضاً ؟

دي بي كوبر ويكتب بالإنجليزية D.B. Cooper هو أحد الاسماء التي خلدها التاريخ في ذاكرته، ولكن تخليده كان في الجانب المظلم منه، الجانب الذي يحفظ اسماء أباطرة الشر والقتلى والسفاحين ومعتادي الإجرام، لكنه حتى في وسط هؤلاء كان يملك ما يمزيه عنهم، وهو الدهاء وبراعة التخطيط الذان أظهرهما في تنفيذه لهجمته الإجرامية، بجانب غموض شخصيته ومصيره الذي لا يزال مجهول حتى اليوم.

 دي بي كوبر .. من يكون ؟

دي بي كوبر هو اسم يعني أحد أعقد الألغاز في عالم الجريمة، ويمثل النقطة السوداء في تاريخ الأجهزة الأمنية الأمريكية، وعلى وجه الخصوص مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) الذي فشل في حل لغز تلك القضية، لتكون بذلك جريمة السطو الجوي الوحيدة في تاريخ الولايات المتحدة التي لم يتم حلها، وحتى تلك اللحظة التي تكتب بها هذه السطور، لا يزال العالم يجهل من يكون دي بي كوبر الحقيقي؟، هل هو ميت أم أنه لا يزال على قيد الحياة منعماً بما نهبه؟، كلها أسئلة لا تزال مثارة ولا تزال بدون إجابة وربما ستظل كذلك للأبد، فكل ما نعرفه عن دي بي كوبر هو ما قام بفعله وما صار لغزاً.. لغزاً ظل عاصياً على الحل طيلة أربعة وأربعون عاماً!

 نقطة البداية :

الزمان الذي بدأت فيه قصة دي بي كوبر هو عام 1971م، أما المكان فقد كان مطار بورتلاند أور بالولايات المتحدة الأمريكية، وقام المسافرون المتجهون إلى مدينة ستايل باستقلال الطائرة المتجه إلى هناك، وسارت الأمور بشكل طبيعي حتى حلقت الطائرة وغادرت أرض المطار، وحينها قام أحد الركاب باستدعاء إحدى المضيفات، ووفقاً لأقوالها بمحاضر التحقيقات فأنه كان هادئ ومتماسك بل ومبتسم، وهو يخبرها ببروده المستفز أنه يمتلك قنبلة وأنه سيُفجر الطائرة بمن عليها!

إعلانات

 الاختطاف :

بعد أن أبلغ دي بي كوبر المضيفة بنوياه وكشف كلها مخططه، هرعت هي إلى قائد الطائرة وأعلمته بما قاله ذلك الراكب المريب، في البداية لم يصدق القائد قولها وظنها دعابة سخيفة من أحد المتحذلقين، لكن دي بي كوبر لم يدع للشك مجالاً، ولحق بالمضيفة إلى كابينة الطيار حاملاً حقيبته المتوسطة، وعلى مرآى من المتواجدين فتح حقيبته وآراهم ما تحتويه من شحنة متفجرة، وبذلك رضخ القائد وكامل الطاقم لـ دي بي كوبر وأحكم سيطرته على مجريات الأمور، وأول الأوامر التي أصدرها كانت إبلاغ القيادات الأمنية على الأرض بما يحدث بالسماء الأمريكية، تمهيداً لفتح قنوات أتصال بينه وبينهم ليملي عليهم طلباته، وبالفعل قام قائد الطائرة بمخاطبة أبراج المراقبة وأعلمهم باختطاف الطائرة، وهم بدورهم سارعوا بمهاتفة مسئولي الأمن وأطلعوهم على ما يجري على متن الطائرة.

 إملاء المطالب :

فور وصول النبأ إلى القيادات الأمنية تم تفويض مندوب منهم للتواصل مع الخاطف، وبدأوا في فحص قائمة الركاب محاولين استنباط هوية المعتدي، وكان التوقع السائد لديهم هو التوقع المنطقي بأنه سيطالبهم بدفع فدية مالية، وبعد دقائق تم فتح قناة الاتصال بين رجال الأمن و دي بي كوبر ،وكما توقعوا طالبهم بتجهيز مبلغ 200 ألف دولار أمريكي وإلا نسف الطائرة، أما الطلب الذي لم يخطر ببال أي من قيادات فقد كان 4 مظلات هبوط، وذلك الطلب الثاني دفع رجال الأمن أمام احتمالين لا ثالث لهما، إما أن الخاطف هذا مجنون وينتوي الانتحار بالقفز من الطائرة، وإما أنه يحاول المراوغة ودفعهم إلى ذلك الاعتقاد بينما هو يخطط لشيء آخر.

 الهبوط الإجباري :

داخل ساحة مطار تاكوما الدولي بمدينة سياتل قام رجال الأمن بتجهيز ما طلبه دي بي كوبر ،وتم إبلاغه بذلك فأمر الطيار بالهبوط بذلك المطار، وكانت قوات الأمن بالفعل قد رابضت بمواقعها واتخذت التدابير اللازمة للإيقاع بـ دي بي كوبر ،إلا أنه أمر الطيار بإطفاء إضاءة الطائرة بالكامل ليصعب تتبعها أثناء الهبوط، كما أمره بالهبوط على الممر الأخير بمهبط المطار، ثم طالب دي بي كوبر بتسليمه المظلات الأربعة وحقيبة النقود عن طريق أحد عمال المطار، وما أن نُفِذت مطالبه حتى طالب الشرطة بإعادة تزويد الطائرة بالوقود، وبعد التأكد من سلامة النقود والمظلات وتزويد الطائرة بالوقود، أطلق سراح كافة الركاب تخفيفاً للوزن وأبقى على أربع رهائن فقط، هم المضيفة ومهندس الطيران وبالطبع فردي طاقم القيادة، ثم كان الأمر التالي لـ دي بي كوبر بالتحليق خارج الحدود الأمريكية إلى العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي.

 القفز مستحيل :

لم يكتف رجال الشرطة بتتبع الطائرة من خلال أجهزة الرادار، فقامت القيادة الأمريكية بإطلاق طائرة حربية تتبع خط سير الطائرة المختطفة، وكان رجال الأمن شبه متأكدين من أن دي بي كوبر لن يجروء على استخدام أي مظلة.. فبداية لم يسجل التاريخ أي محاولة قفز من طائرة مدنية لأنها غير مُجهزة لذلك، خاصة وأن الطائرة المختطفة كانت من نوع بوينج-727 الذي يحلق على ارتفاعات شاهقة، السبب الثاني هو أن الطقس شتوي مُلبد شديد العواصف ولا يتناسب أبداً مع قفز المظلات، لكن الواضح أن دي بي كوبر كان أكثر تهوراً مما ظن رجال الأمن.

 الاختفاء :

أصدر دي بي كوبر تعليمات للطيار بالتحليق بأقل سرعة ممكنة وعلى أدنى ارتفاع آمن، وبينما الطائرة متجهة إلى مكسيكو سيتي بالسرعة التي أقرها، طلب دي بي كوبر من المضيفة أن تقوده إلى الباب المخصص للطوارئ، وعند عتبة هذا الباب كانت آخر مرة شوهد فيها دي بي كوبر ،قبل أن يقفز في قلب العاصفة من ارتفاع يتجاوز 10 آلاف قدم عن الأرض، ومن أعلى طائرة تنطلق بسرعة 200 ميل (حوالي 300كم/ساعة)، وذلك دون أن يكون مرتدياً أي من الملابس الواقية اللازمة للقفز كالخوذة وما يشابهها.

 المطاردة :

واصلت الطائرة تحليقها إلى أقرب مطار بعد قفز دي بي كوبر منها ،وتم إخطار السلطات بذلك فقام فريق المكتب الفيدرالي بتحديد موقع الهبوط، وكان بضاحية مدينة وودلاند بجنوب ولاية واشنطن، وقامت السلطات بتوجيه كل شرطي في المدينة إلى ذلك المكان، وقدر عدد رجال الشرطة الذين تولوا عملية التمشيط والبحث بحوالي 300 شرطي، لم يعثروا إلى على المظلة المستخدمة في الهبوط ورابطة العنق الخاصة بـ دي بي كوبر ،واستمر البحث لمدة عامين كاملين بعد حادثة الاختطاف دون فائدة.

 الأدلة والدلائل :

فرص دي بي كوبر في النجاة من الهبوط قد تكون مُعدمة، ورجح المحققون أنه قد لقي حتفه بعد أن قفز بالمظلة، وبعد عدة أعوام تم العثور على جمجمة بشرية بمحيط الحادث اُعتقِد أنها ترجع لكوبر، لكن الأطباء الشرعيون أثبتوا أن الجمجمة تعود لامرأة.. في عام 1980م عثر صبي يدعي إنرجام على 5800 دولار متآكلين، سلمهم للشرطة وتبين من أرقامهم التسلسلية أنهم من المجموعة التي سُلمت لـ دي بي كوبر.

 ليس اسمه وليست صورته :

من المعروف أن اسم دي بي كوبر هو مجرد اسم مستعار استخدمه الجاني في عمليته، لكن العجيب هو أن حتى ذلك الاسم لم يكن اسمه المستعار، فقد استقل السارق الطائرة بجواز سفر يحمل اسم دان كوبر، وخلال المؤتمر الصحفي أخطأ الضابط في نطق الاسم فجعله دي بي كوبر ،ونقلته عنه وكلاء الأنباء والجرائد فاشتهر الجاني بذلك الاسم حتى إلى اليوم، أما الصورة الشهيرة لـ دي بي كوبر فهي أيضاً ليست صورته الحقيقية، إنما هي مجرد صورة رسمها الرسام الجنائي بناءً على أوصاف الشهود.

إعلانات

وتم الاشتباه في أكثر من شخص آخرهم كان في عام 2003م، لكن لم يتمكن مكتب التحقيقات الفيدرالي من إثبات التهمة على أي منهم، ليبقى بذلك دي بي كوبر صاحب اللغز الأكثر غموضاً في تاريخ الجريمة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

التعليقات مغلقة.