لماذا طفل التوحد يحتاج رعاية خاصة؟ وما نمطه السلوكي؟

جميعنا نعلم إن طفل التوحد يحتاج إلى رعاية خاصة وفائقة.. لكن السؤال الواجب طرحه هو : لماذا يحتاج إليها؟ وما العوامل التي تستوجب توفير تلك الرعاية الفائقة؟

0

طفل التوحد من الأطفال ذوي الحاجة إلى رعاية خاصة، ولعلك صادفت قبلاً موضوعاً يُحدثك عن طرق العناية بهم، مع قائمة طويلة من الوصايا التي يجب الأخذ بها، ومجموعة أخرى من الأمور التي يحظر القيام بها عند التعامل معه، ولكننا اليوم لسنا بصدد تناول طرق رعاية طفل التوحد والعناية به، بل سنسعى لإيجاد إجابة للسؤال الأكثر الذي يجب أن يسبق الخوض بذلك الحديث، وهو لماذا طفل التوحد في الأساس يحتاج إلى تلك الرعاية؟

طفل التوحد .. حالة خاصة تحتاج رعاية فائقة :

الأسباب التي تجعل من طفل التوحد ذو طبيعة خاصة متعددة، والتعرف عليها لا يمكن أن يكون إلا من خلال النظر بمجموعة عوامل، منها السلوكيات الشاذة التي تتسم بها شخصية طفل التوحد، وكذا الخطر الذي يشكله هذا الطفل على ذاته، وكذلك النظر بعلاقاته الاجتماعية وقدراته على التواصل مع محيطه.

أولاً : سلوكيات طفل التوحد :

لاحظ الأطفال إن سلوكيات طفل التوحد تكون مميزة، الأمر الذي جعلهم يعدونها كأعراض ودلائل، يمكن من خلالها ترجيح إصابة الطفل بهذا المرض، وذلك التصنيف قد تم بواسطة مقياس خاص لتقدير السلوك، يُسمى مقياس السلوك التوحدي، ومن بين هذه السلوكيات التالي:

أ) الحركة النمطية :

طفل التوحد عادة ما يكون لديه حركات نمطية أو آلية، يقوم بتكرارها بصفة دائمة ودورية، وهو ما يُسمى في عُرف العوام بـ”اللزمة”، مثل أن يكون طفل التوحد دائم تحريك الذراعين، بشكل يشبه حركة رفرفة الطيور، أو أن يدير رأسه أو اهتزاز الجسم بشكل معين، هذه الحركات وغيرها إذا تمت ملاحظة تكررها، فهي تعد من المؤشرات الدالة على تعرض الطفل لحالة التوحد.

ب) سلوك التماثل :

من الأعراض القوية التي تظهر على طفل التوحد ،هو إظاهره لأحد الأنماط السلوكية المعروفة بمسمى السلوك المتماثل، والذي يتبلور في عصيانه على التغيير، وعدم قدرته على تقبل الأمور الجديدة أو المستحدثة، فـ طفل التوحد يكون مرتبطاً بالواقع المحيط، وذلك الواقع يتمثل في الأشخاص وكذلك الأشياء “الجماد”،  فنجد طفل التوحد مثلاً يرفض نقل قطع الأثاث من مواضعها، كذلك انتقال الأسرة للعيش بمنزل آخر، أو غياب أحد أفرادها لأي سبب كان، من الأمور التي تصيب طفل التوحد بالانزعاج الشديد.

ج) السلوك الشعائري :

طفل التوحد هو عاشق للنمطية بكافة أنواعها، فذكرنا بالنقطتين السالفتين، إن طفل التوحد شخص مفتقد للقدرة على قبول المتغيرات، وكذلك هو دائماً ما يكرر ذات الحركات الروتينية، ولكن النمطية لا تقتصر فقط على هذا أو ذاك، بل إنها تمتد كذلك لتشمل الأنشطة اليومية المعتادة، وهو ما يطلق عليه خبراء الطب النفسي مسمى السلوك الشعائري، فـ طفل التوحد مثلاً تكون لديه طقوس ثابتة فيما يخص تناول الطعام، كذلك أساليب خلع الملابس وارتدائها على سبيل المثال، فإذا كان المعتاد أن يقوم طفل التوحد بخلع القميص قبل البنطال عند استبدالهما، فمن العسير جداً إقناعه بأداء ذلك الأمر بشكل معكوس، ويُعد ذلك فرعاً ممتد من السلوك المتماثل السالف الإشارة إليه.

د) السلوك القهري :

للوهلة الأولى ذلك العرض أو السلوك لـ طفل التوحد ،قد يرى فيه الآباء شئ من الإيجابية، بينما في الواقع هو مؤشر قوي على الإصابة بالتوحد، فالسلوك القهري يقصد به وضع مجموعة من القواعد الصارمة، يلتزم بها الطفل التزام تام ولا يحيد عنها البتة، مثل التزامه بترتيب الأشياء على هيئات معينة، سواء على صفوف أو وضعها في شكل هرمي أو أكوام، وفي كل مرة يغير شخص من ترتيب هذه الأشياء، سنجد الطفل يسرع بإعادتها مجدداً إلى الهيئة التي كانت عليها.

هـ) السلوك المقيد :

السلوك المقيد هو مصطلح مُنقح ومخفف للفظة ضعف التركيز، فهذا الأمر يتشاركه طفل التوحد وطفل فرط الحركة والتشتت الذهني، فكلاهما تكون قدرته على التركيز محدودة، ولكن طفل ADHD أو التشتت الذهني، يعجز عن التركيز على شئ واحد لفترة زمنية طويلة، بينما طفل التوحد فهو يعجز على التركيز على أكثر من شئ، ولهذا نجده دائماً ما ينشغل بشئ واحد لفترات زمنية طويلة، فـ طفل التوحد بعكس سلوك الأطفال في مثل هذا العمر، يفضل أن يلهو بلعبة واحدة فقط كي يتمكن من التركيز عليها، أو أن يشغل أوقاته بمتابعة برامج التلفاز المختلفة، دون مزاولة أي نشاط أثناء قيامه بذلك الفعل، كما ينصرف عن الأنشطة التي يتطلب تأديتها تركيز شديد، مثل الألعاب التي تعتمد على الألغاز والرموز، أو ألعاب الفيديو التي ممارستها تحتاج ذهن حاضر وسرعة بديهة.

مما ذكر جميعاً عن السلوكيات التي يتبعها طفل التوحد ،يمكننا استنتاج سبب احتياج طفل التوحد إلى رعاية فائقة وخاصة، فتلك السلوكيات تمثل قصور شديد في بناء شخصيته، فهو ضعيف التركيز عصي على التغيير وتقبل تبدلات الأمور، وجميعها أمور تعرضه للكثير من المشكلات والعراقيل في الحياة، وللآسف مرض التوحد مُصنف كأحد الأمراض المزمنة، التي تدوم مع المصاب بها طيلة الحياة، مما يعني إن حاجته إلى تلك الرعاية هي حاجة مستديمة.

ثانياً : طفل التوحد وإيذاء الذات :

الأسباب التي على أساسها تم تصنيف طفل التوحد ،كإحدى الحالات الخاصة التي تحتاج إلى رعاية فائقة ومركزة عديدة، إلا أن أخطرها وأهمها على الإطلاق ذلك السبب، وهو إن طفل التوحد يشكل في ذاته مصدراً للخطر، والأمر هنا يختلف تمام الاختلاف عن عدوانية الأطفال السلوكية، ففي حالة الطفل العدواني يمثل الطفل مصدر خطورة على غيره، ويتسم سلوكه بشئ من الفظاظة والعنف لا أكثر، كما تكون لديه القدرة على تقييم الأمور والمواقف، بينما طفل التوحد يفتقد لهذه القدرة على التقييم والتقدير، بجانب إن عنفه يكون موجهاً ضد ذاته لا ضد الغير.

فـ طفل التوحد يُقدم عادة على سلوكيات غريبة، تقود في النهاية إلى إصابته بأذى متفات الأثر، بدءاً من خدشه لنفسه بأظافره أو قَشر الجلد، ووصولاً إلى احتمالات دبس العين أو ضرب الرأس بالحوائط، أما السلوك المؤذي الأكثر شيوعاً بين أطفال التوحد، هو قيامهم بالعض بقوة بأسنانهم على كفوف الأيدي، وقد يتطور الأمر لأكثر من ذلك، فيقدم طفل التوحد على القيام بفعل معين، من شأنه أن يصيبه بأذى بالغ أو أن يودي بحياته، وقد قامت بعض المجموعات البحثية في 2007 بدراسة هذا الأمر، من خلال إجراء استقصاء إحصائي حول معدلات إلحاق طفل التوحد الأذى بنفسه، والنتيجة كانت إن 30% من الأطفال المرضى بداء التوحد، ألحقوا أذى بالغ بأنفسهم خلال مرحلة ما من حياتهم، وهي نسبة كبيرة نسبياً ويمكن وصفها بالمُفجعة، وإن كان علينا أن نستنتج منها شئ، فهو إن طفل التوحد لا يحتاج فقط رعاية فائقة، بمعنى مساعدته في القيام بالأنشطة وتلبية احتياجاته الطبيعية، بل أن طفل التوحد يجب أن يكون مراقباً طوال الوقت من الآخرين.

ثالثاً : طفل التوحد وقدرات التواصل :

الإنسان بفطرته كائن اجتماعي لا يستطيع العيش منفرداً، والعيش في إطار مجتمعات عمرانية يعتمد أساساً على التواصل، وهي مهارة يتم اكتسابها بفعل أسلوب التنشئة، الذي يتمثل في البيئة المحيطة وتلقي التعليم والتربية بشكل عام، إلا أن تلك المهارة لا تُطور بالنسبة لـ طفل التوحد ،وقد كشفت الأبحاث العلمية التي تناولت تلك الجزئية، إن حوالي 50% من الأطفال الذين أصيبوا بالتوحد، لم تطوّر لديهم مهارات التواصل، والأمر هنا لا يقف عند حد التواصل الخطابي أو اللفظي، بل إن التواصل بواسطة لغة الإشارة أيضاً يعجزون عنه، وذلك ينتج عن قصورهم عن التركيز على أكثر من شئ، فعلى سبيل المثال إن أشرت لـ طفل التوحد إلى شئ ما، فمن المتوقع إنه سنتبه لإشارة اليد ويركز نظره عليها، بينما من المستبعد إنه سوف ينتبه إلى ذلك الشئ المُشار إليه.

ومما سلف نستنتج سبب آخر لاحتياج طفل التوحد إلى رعاية خاصة، فمن المستبعد أن يتمكن هو من التعبير عن مشاكله واحتياجاته، ومن ثم فلابد أن يتم توفيرها له بشكل مسبق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ثمانية عشر − 14 =