لماذا سيد درويش من رواد الموسيقى؟ ولماذا هو فنان الشعب؟

عند الحديث عن سيد درويش نجد أنفسنا أمام عِدة أسئلة، لماذا هو فنان الشعب و لماذا يعرف برائد الموسيقى؟.. والإجابة لا يمكن أن تعرف إلا باستعراض مسيرته كاملة.

0

سيد درويش هو أحد أعظم الموسيقيين في التاريخ، ذلك الفنان الذي وُلِد مبدعاً بالفطرة ومات شاباً مولعاً بالطرب، فـ سيد درويش قد توفي عن عمر يناهز 31 عاماً فقط، ورغم وفاته المبكرة إلا إن إنتاجه الفني كان غزيراً، فقام سيد درويش بتلحين عشرات الأدوار والطقاطيق والأوبريتات، هذا بجانب بعض الإسهامات في المسرح الغنائي، هذا بجانب الحفلات التي كان يقيمها في مقاهي الإسكندرية والقاهرة الكبرى، كما كان له الفضل في تجديد وتطوير الموسيقى العربية، وهذا كله لم يخل بشعوره بالمسئولية تجاه وطنه ومجتمعه، تلك المسئولية التي تجلت من خلال أعماله الفنية، فاستحق عن جدارة ما حمله من ألقاب، مثل فنان الشعب أو رائد النهضة الموسيقية في مصر والوطن العربي.

سيد درويش .. رحلة إبداع قصيرة المدة عظيمة التأثير :

سيرة الشيخ سيد درويش ككافة السير الذاتية، كي يمكننا التعرف على أثر صاحبها وإسهاماته، فلا بد أن نقوم باستعراض مراحل حياته كاملة، ولكي ندرك حقيقة تأثير سيد درويش وما أحدثه من نهضة موسيقية، فلابد أن تكون نقطة انطلاقنا هي الميلاد والنشأة.

الميلاد والنشأة :

شهدت مدينة الإسكندرية ميلاد المسيقي العظيم الشيخ سيد درويش ،وكان ذلك في السابع عشر من شهر مارس لعام 1892م، واسمه من واقع شهادة الميلاد السيد درويش البحر، نشأ سيد درويش في كنف عائلة متواضعة، وحين بلغ عمر الثالثة عشر التحق بالمعهد الديني، وحظي بقسط مناسب من التعليم، واتقن القراءة والكتابة وهي مهارات قلما اتقنها ابناء ذلك الزمان، إذ كان غالبية من يحظون بفرصة التعليم من ابناء الطبقات العليا، كما درس القرآن الكريم واتقن تلاوته، ولعبت دراسته للقرآن دوراً في الارتقاء بموهبته الفطرية، إذ كانت سبباً في إتقانة لمخارج الألفاظ وقدرته على نطقها بشكل صحيح، وكان مشايخه يطربون بصوته فكانوا يحبون استماع تلاواته، وكان سيد درويش عاشقاً للموسيقى والطرب منذ صباه، فاعتاد أن ينشد مع الأصدقاء ألحان شيوخ العناء في زمنه، من أمثال الشيخ سلامة حجازي والشيخ حسن الأزهري.

الزواج والحلم :

كان يطمح سيد درويش منذ طفولته بأن يصير مغنياً، لكن عند بلوغه سن السادسة عشر اصطدم بأول عقبة حقيقية، فقد تزوج سيد درويش مبكراً وهو في ذلك العمر، وما كان يجنيه من الغناء بالمقاهي لم يعد كافياً للإنفاق، فاضطر إلى التوقف عن العمل بمجال الفن، واشتغل مجبراً مع عمال البناء، ولكن رغم توقفه عن الغناء كمهنة وسبيل لكسب الرزق، لم يتوقف عنه كوسيلة للإمتاع وإدخال السعادة إلى نفسه، فقد كان طيلة الوقت يرفع صوته بالغناء والإنشاد، وكان العمال يطربون بصوته ويسعدون به، فكلما توقف دعوه إلى المواصلة والاسترسال، ولم يكن سيد درويش يدرك إن الخير -كل الخير- يكمن بتلك العقبة، فحين كان يعمل مغنياً بالمقاهي لم يكن يسمعه سوى العامة، لكن حين صار يغنى وهو يعمل بناءً سمعه الأخوين سليم وأمين عطا الله، وقد كانا من كبار المشتغلين بالفن في ذلك الزمان، وأبهرهم صوت ذلك العامل المُنشد وإحساسه المرهف بالكلمات، فقررا أن يقدما للتاريخ الفني هدية باكتشافه وتقديمه للجماهير.

رحلة الشام :

اصطحب الأخوين عطا الله الشيخ سيد درويش إلى الشام، وقدم معهم العديد من العروض الغنائية بالشام، حققت نجاحاً باهراً وذاع صيت سيد درويش سريعاً، فكانت أعداد الجماهير تتضاعف بكل ليلة عرض، فجنى الأخوين عطا الله أرباحاً كثيرة من خلال انتفاعهما بصوت سيد درويش ،أما سيد درويش نفسه فبالطبع كان له نصيباً من الأرباح، لكن الفائدة الحقيقة التي عادت عليه من هذه الرحلة الشامية، هي اكتسابه إلى الثقة في نفسه وفي موهبته، وعلم إن الغناء هو دربه الذي سيحقق ذاته من خلاله، وإنه الشئ الوحيد الذي يمكنه أن يفعله بإتقان، فاتخذ قراره باستكمال مشواره الغنائي مهما كانت العقبات ومهما واجه من صعاب.

الموهبة والتعليم :

أي شخص محل الشيخ سيد درويش ،حتماً كان سيصاب بآفة التغطرس والغرور، فهو الشاب الذي لم يتجاوز السابعة عشر بعد، أعجب به اثنين من كبار منظمي الحفلات الفنية، واصطحباه ليقدم عرضاً غنائياً ببلاد غير بلاده، وتلك العروض حققت نجاحاً كبيراً لم يحققه بعض الكبار، لكن سيد درويش نجا من السقوط في شرك الغرور، ورغم كل ما حققه أيقن من أنه ينقصه الكثير، فعاد إلى الشام مرة أخرى في عام ض912م، ولم يكن سفره هذه المرة بهدف تقديم عروض أو جني المال، إنما كان يسعى إلى إصقال موهبته من خلال الدراسة، فمكث بالشام حوالي أربعة سنوات، عاد بعدهم إلى مصر وقد اتقن العزف على العود إتقاناً تاماً، بجانب إنه تعلم تدوين الألحان وكتابة النوتة الموسيقية.

اللحن الأول :

عاد سيد درويش إلى مصر بقلب متحمس، وموهبة متعطشة إلى الانطلاق والخروج للنور، فعمل بالحقل الفني لمدة عامين كعازف ومغني، وفي عام 1917م كان موعد سيد درويش مع أول خطوة حقيقية على طريق الحلم، حين قام بتلحين أول أدواره وكان بعنوان “يا فؤادي ليه بتعشق”، والذي قدم سيد درويش من خلاله موسيقى راقية وعذبة، أطربت المستمعين وجذبت انتباه المتخصصين، وأصحاب الباع الطويل بمجال الموسيقى، صار لديهم شبه يقين بإن هذا الشاب سيد درويش ،سيصير ذات يوم أحد أهم ناظمي الألحان بالتاريخ.

الانتقال إلى القاهرة :

القاهرة كانت ومازالت وجهة المبدعين من مصر والدول العربية، ولهذا انتقل إليها سيد درويش لينضم إلى محترفي الفن، وذاعت شهرته بسرعة البرق وسط العاملين بالفن، ودأب كبارهم على استقطابه إليهم، للاستفادة من إسهاماته وإبداعاته، فعمل مع أشهر الفرق المسرحية بمصر آنذاك، مثل فرقة نجيب الرحاني وفرقة علي الكسار وجورج أبيض وغيرهم.. وسطع نجمه حتى صار منافساً لكبار الملحنين في عصره، وكان إنتاجه غزيراً فنظم عشرات الألحان خلال فترة وجيزة.

نضاله ضد الاحتلال :

اليوم يكثر الحديث حول القوة الناعمة للدول، والتي يقصد بها الإشارة إلى إنتاجها الثقافي بصفة عامة، وإنتاجها الفني بصفة خاصة، ولعل خير مثال على تأثير هذه القوة الناعمة هو سيد درويش ،والذي تأثر بمعاناة وطنه وشعبه الواقع تحت وطأة الاحتلال، لكنه لم يخرج في نظاهرات ولم يحمل مسدساً، فقد كان سيد درويش مؤقن من إن فنه يضاهي في قوته طلقات الرصاص، وحين قامت ثورة 1919م التي أشعلتها السيدة صفية زغلول أم المصريين، كرد فعل شعبي على قرار الإنجليز بنفي الزعيم المصري سعد زغلول، لعبت أغاني الشيخ سيد درويش دوراً كبيراً في إلهاب حماس الجماهير، وبالأخص أغنيته التي أطلقها بعنوان “قوم يا مصري”، والتي لا تزال تغنى حتى اليوم في الاحتفالات الوطنية، كذلك قام بتلحين نشيد بلادي بلادي، وهو النشيد الوطني لمصر حتى يومنا هذا، وكان من كلمات الشاعر محمد يونس القاضي.

الطبيعة الفنية لأعماله :

لقب فنان الشعب الذي توج به الشيخ سيد درويش استحقه بجدارة، فاختلاط سيد درويش بطبقة الكبار وأصحاب المعالي، لم ينسه لحظة إنه ينتمي إلى الطبقة الأخرى، طبقة قوى الشعب العاملة التي نشأ وشب بينهم، وبينما كان أغلب مطربي ذلك الزمان يعبرون عن الطبقة الارستقراطية، فيقدمون أعمالاً غنائياً تتماشى مع أذواقهم الفنية، كان لـ سيد درويش طريقه الخاص الذي سلكه، معبراً عن الفئات المهمشة اجتماعياً، برغم إنها تُشكل الدعامة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع المصري، فغنى سيد درويش للفلاح المصري، وخلدت أغنياته كفاح العمال وأبرزت أهمية دورهم، وفي بعض أعماله الأخرى تطرق إلى الحرفيين والشياليين وأصحاب المهن البسيطة.

تأثيره في الموسيقى :

الفنانون بشكل عام ينقسمون إلى قسمين رئيسيين، أولهما الفنان المُقلد وثانيهما الفنان المجدد، وأصحاب النوع الثاني هم من يعرفوا بلقب الرواد، ولا خلاف على إن سيد درويش ينتمي إلى ذلك النوع الثاني، فبراعة سيد درويش لم تقف عند حد نظمه لألحان بديعة فقط، فيكفي القول إن من بين إسهاماته إدخاله النظام البوليفوني للموسيقى، وهو أسلوب يقصد به إصدار أكثر من نغمة في ذات الوقت، وهو يعد اليوم من القواعد الأساسية في التلحين والتوزيع، وهذا مجرد مثال على ما أحدثه سيد درويش من تجديد في الموسيقى العربية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

1 × 5 =