لماذا انفصل جنوب السودان عن السودان الأم فجأة؟

أسباب نشوء دولة جنوب السودان وانفصالها عن السودان

حدثت الكثير من الصراعات بين جنوب السودان وشماله لمدة تتجاوز النصف قرن، وذلك لعدة أسباب يختلف عليها أهل الشمال وأهل الجنوب، عامة قد حدث الانفصال بعد استفتاء كبير أجري في شهر يناير من عام 2011 وأدى إلى نشوء دولة جنوب السودان.

0

تعتبر جنوب السودان هي أحدث دولة في العالم وأخر تغير قد حدث على الخريطة العالمية، حيث أنها قد نالت استقلالها في التاسع من يوليو عام 2011 وذلك بعد اعتماد نتيجة الاستفتاء الذي أقيم في شهر يناير من نفس العام، وعندما ننظر إلى نتيجة الاستفتاء نرى أن نسبة المصوتين بنعم قد تخطى ثمانية وتسعون بالمائة وهذه نسبة كبيرة جدًا وتدل على اجتماع أغلب سكان جنوب السودان على الانفصال من السودان الأم، ويرى الباحثون والمفكرون أنه توجد العديد من الأسباب التي شجعت أهل الجنوب على القيام بالعديد من الثورات المسلحة لأجل حلم الانفصال والتمتع بالسيادة الذاتية، وأغلب العوامل التي شجعت الجنوب على القيام بالصراعات والثورات لمدة تزيد عن نصف قرن هي في نظر أهل الشمال عبارة عن عبارات هاوية ليس لها أي أساس من الصحة، ولكنهم رضخوا لهذا التغيير للحد من العمليات الإجرامية التي كانت تحدث فوق الأراضي السودانية ككل، ونحن هنا سنتعرف على أهم الأسباب التي جعلت جنوب السودان ينفصل عن شمالي الأراضي السودانية، فتابعوا معنا.

سوء الأحوال المعيشية في السودان

السبب الرئيسي في انفصال جنوب السودان عن السودان الأم هو تردي الأوضاع المعيشية في البلاد السودانية كلها، تعيش دولة السودان كلها في حالة سيئة للغاية وتتردى فيها كل الأوضاع المعيشية والاقتصادية والتعليمية والتجارية وكل شيء، ولكن ما يراه جنوب السودان هو أن أهل الشمال يتمتعون بأغلب الثروات والمقومات بينما أهل الجنوب لا يأخذون أي شيء، بل ويعاملون معاملة متدنية للغاية ويشبهون نفسهم بالطبقة الثالثة أو الرابعة في البلاد، وهذا ما أدى إلى أثارة الغضب في قلوبهم وطمعهم للانفصال تطلعًا منهم إلى أن تتحسن ظروفهم المعيشية وتنعم البلاد الجنوبية بأنعم الله في الأرض، ولكن للأسف منذ انفصال جنوب السودان في التاسع من يوليو عام 2011 إلى ألأن وهم يعيشون في حالة أسوء من ذي قبل، بل وأغلب سكانهم يعيشون على المساعدات الإنسانية التي تأتي من الدول الغنية.

حيث أن أكثر من ستة ملايين جنوب سوداني من أصل ثلاثة عشر مليون يعتمدون على ما يأتي إليهم من الخارج، وذلك نظرًا لسوء الأحوال المعيشية في البلاد بالرغم من وجود أكثر من ثمانين بالمائة من نفط السودان كله في أراضي الجنوب، ولكن هذه الكمية لا تجدي نفع مع هذا القدر من السكان، عامة تعتبر الإدارة السيئة والأحوال المتردية هي أهم العوامل التي جعلت جنوب السودان يطالب بالانفصال عن السودان الأم.

الاختلاف الديني بين شمال و جنوب السودان

يتميز شمال السودان بوصول نسبة المسلمين فيه إلى ما يتجاوز الخمسة وتسعين بالمائة في حين أن جنوب السودان به أكثر من ثمانين بالمائة ممن يعتنقون الديانة المسيحية وهذا من الأسباب التي جعلت أهل الجنوب ينفصلون عن السودان الأم، حيث أن أهل الجنوب كانوا ينظرون للشماليين بأنهم مجرمين قاموا بشن الكثير من الحروب تحت راية نشر الدين الإسلامي في الأراضي الجنوبية، وقد أدت هذه الحروب إلى قتل ما يتجاوز المليون ونصف شخص جنوبي، وهذا ما يعتبره الجنوبيين أنه جرم كبير وبالتالي أهل الشمال هم قاتلي آبائهم وأجدادهم ولابد من معاقبتهم وعدم الدخول معهم في أي تعاون تحت أي صورة كانت، ولذا قاموا بعمليات إجرامية من قبل الجماعات المسلحة التي أنشئوها ضد أهل الشمال وهنا كان لابد من التدخل العسكري للحكومة السودانية لردع هذه الأعمال المتوحشة والتي تدل على الحقد والغل الدفين في نفوس أهل جنوب السودان.

وهكذا استمرت هذه الصراعات منذ العقد السادس من القرن العشرين حتى عام 2005 تحديدًا، حتى عقد بروتوكول ماشاكوس الذي حدد مصير جنوب السودان لمدة ستة أعوام وبعدها تم عمل الاستفتاء الكبير في الأراضي الجنوبية تحت إشراف الأمم المتحدة وبموجبه مُنح جنوب السودان حق الاستقلال الذاتي، ولذا يعد اختلاف الديانات هو أهم العوامل التي شجعت الجنوبيين على الانفصال عن السودان الأم.

الاختلاف الكبير حول الزبير باشا

ينظر أهل الشمال إلى الزبير باشا بأنه قائد إسلامي قوي ساعد الدين الإسلامي على الانتشار في البقعة الجنوبية من السودان في حين أن أهل الشمال ينظرون إليه أنه أكبر مجرم قد عرفه السودان على مر التاريخ، الزبير باشا هذا هو قائد إسلامي قد حكم السودان في نهاية القرن التاسع عشر لمدة لا تتجاوز أثني عشر عام، وقد ساهم هذا القائد في توطيد دعائم الدين الإسلامي في الشمال مع نشر الإسلام في جنوب السودان، ولكن ما كان يعيبه هو أخذ فقراء جنوب السودان وبيعهم في أسواق النخاسة العالمية، ونحن صراحة لا نعلم حقيقة هذا الأمر فهذا القائد عليه الكثير من الاختلافات فهل هو تاجر عبيد أم بطل قومي ناشر للإسلام في الأراضي الجنوبية من السودان، ولكن هذا ما يزعم به جنوب السودان أن الزبير باشا هو تاجر عبيد كان يأخذ الفقراء الجنوبيين من السودان ويقوم ببيعهم في أسواق النخاسة، ولذا يكرهون أهل الشمال وما يرونه صحيح في نظرهم.

التدخل الأجنبي ومساعدته للجنوبيين

كان جنوب السودان ينظر إلى أهل الشمال أنهم تأتي إليهم المساعدات من قبل الدول الإسلامية المجاورة وأشهرهم مصر في حين أن الجنوب لا يتمتع بأي مساعدات خارجية نظرًا للأغلبية المسيحية القاطنة به، ولذا قررت الدول الغربية مساعدة أهل الجنوب بقدر المستطاع لمضاهاة المساعدات الأخرى، ولكن في الحقيقة أن الدول الأوروبية تسعى لاستغلال الموارد الطبيعية الموجودة فوق الأراضي الجنوبية، فالنفط السوداني يتواجد بنسبة الخمسة وثمانين بالمائة من حجمه في جنوب السودان فقط بجانب الموارد المائية والثروات الطبيعية الأخرى، ولذا كانت تقوم الدول الأوروبية بتمويل الحركات الجنوبية السودانية بالأسلحة والذخيرة والمعدات القتالية لمهاجمة الحكومة السودانية، وهذا ما ظهر لنا جليًا في صورة الكثير من الصراعات المسلحة التي حدثت منذ العقد السادس من القرن العشرين حتى عام 2005.

وقد راح نتيجة هذه الحروب الإجرامية العنيفة الكثير من سكان كلا الجانبين بشكل شبه متساوي، وهكذا يعتبر التدخل الأجنبي القوي ومساعدته المادية والعسكرية لأهل جنوب السودان هو أهم العوامل التي صرعت من وتيرة الأحداث المؤدية لانفصال الجنوب عن الشمال الكبير.

الاعتقادات الخاطئة من كلا الجانبين

يخيل إلى أهل الشمال والجنوب السوداني بعض الأشياء التي من دورها جعلت الانفصال أمر محبب لدى كلا الطرفين، فيرى أهل الشمال أن جنوب السودان يسعون للقضاء على التواجد الإسلامي العربي في شمال السودان، وذلك بمساعدة الدول الغربية والدول الإفريقية المسيحية التي تهدف لنشر الدين المسيحي وزيادة العنصر الإفريقي في السودان ككل، في حين أن أهل الجنوب يرون أن الشماليين يسعون للقضاء على التواجد الإفريقي المسيحي في جنوب السودان وجعل أغلب السودان إن لم يكن كله يدين بالديانة الإسلامية، وذلك سوف يأتي بالمساعدات العربية الإسلامية من الدول المجاورة التي تطمع لنشر الإسلام بصورة أكبر بعد تزايد التبشير النصراني في أغلب مناطق إفريقيا، ولكن من المنظور التاريخي العام الغير متحيز لطائفة معينة فإن تلك الرؤى والتأويلات هي من وحي الخيال لكلا الفريقين ولا تمت للواقع بصلة.

ولكن هذا ما تخيل لهم جراء الأحدث والصراعات الدموية الجارية على الأراضي السودانية بين المسلمين والمسيحيين، ولهذه التخيلات والأوهام الفارغة كان من نصيب جنوب السودان أن ينفصل عن السودان الأم ويزداد الطين بلة.

طمع جنوب السودان في الثروات الموجودة بأرضهم

يظن أهل جنوب السودان أن الثروات الطبيعية الموجدة به من نفط وماء هم كفيلان لكي يدفعوا بأهل الشمال نحو الهاوية وهذا ما أدى إلى انفصال أهل الجنوب عن الشمال، حيث أن جنوب السودان يستحوذ على ما يتعدى الخمسة وثمانين بالمائة من النفط الموجود في السودان كله، وهذا يعني أن شمال السودان الكبير سيفتقر تمامًا للنفط ويلجأ للاستيراد الدائم من الخارج، وبالتالي يتمكن الجنوبيين من إذلال الشماليين وجعلهم ضعفاء تجاههم وهذا الحلم يراود الجنوبيين منذ عدة سنوات، وذلك بسبب نظرة أهل الجنوب للشمال بأنهم مستعمرين احتلوا أراضيهم ويفرضون عليهم الإسلام بالقوة الجبرية، هذا بجانب بيع الزبير باشا فقراء أهل الجنوب في أسواق النخاسة العالمية، فلذا أرادوا رد شرفهم عن طريق حرمانهم من الثروة النفطية الموجودة بأراضيهم، ولكن لم ينتفع جنوب السودان منذ استقلاله في عام 2011 إلى الآن بأي شيء مما قاله.

حيث أنهم تحولوا إلى دولة ضعيفة سياسيًا واقتصاديًا بدرجة كبيرة جدًا حتى صنفتهم الأمم المتحدة في قائمة البلدان الأقل نماءً في العالم، هذا بجانب انعزالهم عن أي منفذ بحري قد يسهل لهم الاتصال بحريًا بالدول الخارجية أو مباشرة العملية التجارية بصورة سهلة، وهكذا فقد جنوب السودان قدرات وخبرات الشمال السوداني بعد انفصاله عنه ولذا يعد الطمع الكامن في قلوبهم هو من ألقى بهم هم إلى الهاوية لا أهل الشمال.

امتناع جنوب السودان عن تطبيق الحكم الإسلامي

بما أن السودان ككل تعد دولة إسلامية عربية فلذا لابد من تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية على كافة المواطنين السودانيين، ولكن جنوب السودان لم يقبل بهذه الأحكام بما أن ما يقارب الثمانين بالمائة من سكانه يدينون بالديانة المسيحية، وكانت الحكومة السودانية تفرض أحكام الشريعة الإسلامية على كل المناطق التابعة لها فمثلا شرب الخمر أو صناعته هو في الإسلام أمر محرم وترفضه الديانة الإسلامية رفضًا تامًا، ونظرًا لأن الديانة المسيحية تتساهل في صناعة الخمر وشربه فكان أهل الجنوب يتداولونه بدون أي مشاكل في نظرهم، فقامت الحكومة السودانية بتطبيق حد الخمر على الشارب والصانع كما يوجد في الإسلام، فثار جنوب السودان على ذلك وامتنعوا عن الإذعان للحكومة حتى في سائر الأحكام الإسلامية على السواء.

وهذا ما أدى إلى خلق روح من التعصب الديني والمذهبي في السودان كله ومع تزايد وتيرة الأحداث كان الوازع الديني هو أحد أهم العوامل التي تسبب في نشوب الحروب والصراعات الدموية في أراضي السودان كلها، ومع استمرار الصراع لمدة خمسين عام تقريبًا تمكنت الأمم المتحدة من إرساء السلام في البلاد بموجب بروتوكول ماشاكوس الذي أقر الهدنة لمدة ستة أعوام، ثم بعدها أجري الاستفتاء الذي منح جنوب السودان استقلاله التام والنهائي عن السودان الأم.

ختامًا

في الأخير يجب علينا أن نعلم أن عملية انفصال جنوب السودان عن السودان ما هي إلا تجربة مؤلمة للغاية، سوف يتحمل أعبائها أهل الجنوب بصورة أكبر من أهل الشمال، ولذا على كل دولة في العالم الحرص على حفظ حدودها وأراضيها من الانقسام أو التفرق فعواقبه وخيمة على جميع أطياف الشعب، ولذا أمرنا القرآن الكريم بالاعتصام بحبل الله جميعًا وعدم التفرق.

الكاتب: أحمد علي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

5 × 4 =

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقاقرأ أكثر