لماذا تجارب الكتابة الأولى للكتاب الكبار تأتي متواضعة المستوى؟

أسباب كون الكتابات الأولى للكتاب الكبار دون المستوى المأمول

نلاحظ أن تجارب الكتابة الأولى تتميز بأنها محبطة ومتواضعة المستوى ولو عدنا لبدايات قامات الأدب لوجدناها غير مبشرة على الإطلاق ولا نصدق أن مثل هذه البدايات المحبطة تليها فيما بعد هذه الروائع واللآلئ، فما السر وراء هذه المسألة؟ الإجابة في المقال التالي.

0

إذا استعرضنا تجارب الكتابة الأولى للكتاب الكبار سنجد أن معظمها أتى بمستوى دون المرجو ولأننا نستغرب عن هذه البدايات المحبطة لكُتاب أصبحوا الآن نجوم زاهرات في سماء الأدب والكتابة ويشار لهم بالبنان فكيف هذه كانت بداياتهم ولماذا تنتشر هذه الظاهرة بهذا الشكل؟ في السطور القادمة نتعرف على الأسباب التي جعلت تجارب الكتابة الأولى للكتاب الكبار تأتي بكل هذا القدر من التواضع، ونبحث في أسبابها:

التعجل في الكتابة

لعل اكتشاف الميل للكتابة داخل الأشخاص يجعلهم لا يستوعبون فكرة أن لديهم طاقة الكتابة وقدرتهم على ممارسة لعبة التخييل وصياغة الجمل وبناء الشخصيات والجمل الحوارية والحبكة وغير ذلك فيما يختص بالكتابة الروائية أو ما يشابهها في باقي الأصناف الأدبية ومثل هذه الأمور لذلك نجد أن هناك دائما تعجل في الكتابة وتعجل في اعتراف الإنسان حتى أمام نفسه بأنه كاتب وأنه سيقرر أن يهب نفسه لممارسة الكتابة ما تبقى له من عمره لذلك يحاول أن يتم عمله الأول بسرعة لأنه يخشى أن يخفق فيضيع الحلم الذي وضع فيه مؤخرا ويجد نفسه بعد أن انضم ولو بشكل احتمالي إلى طائفة الكتاب وأهل الأدب والخالقين على الورق يعود مرة أخرى إلى زمرة الأشخاص العاديين الذين لا يمتلكون أي مواهب ذلك وأن امتلاك الموهبة شهوة كبيرة جدا يشتهي الإنسان أن تصبح لديه موهبة لذلك إتمام العمل الأول يكون على قدر كبير من التعجل والتوتر لأنه يريد أن يعترف أمام نفسه وأمام الناس حتى بأن لديه عمل واحد على الأقل في يده قام بإنتاجه بالتالي كانت تجارب الكتابة الأولى دون المستوى بهذا الشكل.

نقص الخبرة

نقص الخبرة قد ينتج تجارب الكتابة الأولى دون المستوى ونقول أن الموهبة يلزمها الخبرة في الممارسة فعلى الرغم من أن الموهبة لا تنشأ هكذا اعتباطا أو كطفرة ذاتية بدون أي جذور تمتد منها أو أسس تبنى عليها بحيث أن الشخص الذي تنبت لديه موهبة الكتابة مثلا لابد وأنه قد قرأ من قبل كثيرا ولكن ليس لكل شخص قرأ آلاف الكتاب وعشرات الآلاف من الصفحات على مدار السنوات أن تتولد لديه موهبة الكتابة لأنها تتداخل معها عوامل أخرى لها علاقة بتكوين الشخصية وحساسية الإنسان ومشاعره وشاعريته وقدرته على الالتقاط والرؤية الجمالية التي يتحلى بها في حياته بشكل عام إلا أنه على الرغم من ذلك فيما يختص بالكتابة أي صياغة الهواجس والخيالات والأطياف التي تحتشد في خيالات الإنسان الذي يقرر الكتابة في شكل جمل يكتبها على أوراق أو في ملفات على الحاسوب تأتي بالخبرة لأن رهبة الكتابة أو الرعب الناشئ أمام ورقة بيضاء يستطيع إحباط أي كاتب بالتالي كشخص تعرض أكثر من مرة لهذا الرعب سواء عن عقل فارغ وهذا أصعب أو عن عقل مكتظ لدرجة التشتيت ليس كشخص يقف أمامها للمرة الأولى كي يصفي ذهنه ويغترف من وجدانه وينهل من مشاعره ليسطر على الورقة بوسيلة بائسة وفقيرة مثل اللغة المكونة من حروف، فيحدث أن تخرج تجارب الكتابة الأولى بهذا الشكل البائس والعصي على الاستيعاب أيضًا ونعزي هذا لنقص الخبرة في الكتابة بالمقام الأول بالتالي الخبرة هنا لازمة، والخبرة هنا نقصد بها خبرة الكتابة لأن الكثير والكثير من الكتابة مهما كانت رديئة لابد أن ينتج هذا كتابة جيدة في مرة من المرات.

القلق من رد الفعل

تجارب الكتابة الأولى قد تأتي مرتبكة ومتوترة لأن الكاتب يكون قلقانا من رد الفعل ومتوترا من أن لا تحوز روايته الإعجاب اللازم وبالتالي نجد أن هذا الارتباك والتوتر ينشأ أيضًا في عمله الأولى ونجد أن التخبط يسود بين أرجاء تجربته الأولى وذلك بسبب أن هذا القلق قد يدفعه لحذف شيء قد يظن أنه صادما أو دون المستوى أو على الجانب الآخر إضافة شيء يظن أنه يحوز الإعجاب بالتالي نجد أن تجارب الكتابة الأولى مثيرة للغثيان وتبدو غريبة وغير مترابطة ومفككة في بعض الأحيان ونستغرب من أن القامات الأدبية هذه كتبت أعمالا بهذا الشكل.

موافقة أهواء القراء

من الأشياء التي تعد مصرع الكاتب هي موافقة أهواء القراء وقراءة المزاج العام للشريحة العظمى من القراء والذهاب معها، يتفق معظم الكتاب الكبار على أن الوقود الحقيقي للكاتب هو الصدق، أي أن يكون صادقا وأمينا فيما يكتب بحيث يكون أصيلا بداخله وألا يكون مجرد “طرزي” أو “مصمم كتب” حسب الرغبة أو حسب الطلب ولكن أن يكون لديه الشيء الذي يرويه أو يقوله بغض النظر عن آراء القراء فيه بالتالي نجد أنه يستعرض الكتب الناجحة ويحاول صنع توليفة منها وهذا بالطبع سيكون شيئا ممسوخا وباردا ومقلدا وليس فيه أي صبغة للكاتب نفسه أو تحمل بصمته الذاتية لذلك تكون تجارب الكتابة الأولى بهذا المستوى المتردي.

تجارب الكتابة الأولى تطغي عليها روح التجريب

أحيانا تكون تجارب الكتابة الأولى سائدة فيها فكرة التجريب بمعنى أن الكاتب في بدايته لا يكون لديه شيئا متماسكا ليقوله بل بعض الهواجس والخيالات المبتورة ويود صياغتها في صورة عمل فني فيقوم بتجريب أساليب وأدوات جديدة وسلك مسالك مختلفة نوعا ما وغير معتادة من أجل توصيل ما يقوله وأحيانا تكون هذه الطريقة جيدة ومناسبة جدا لتوصيل بعض الموضوعات بل وتكون هذه الأساليب غير المعتادة مستساغة جدا إذا تم تنفيذها بحرفية وفن أيضًا ولكن للأسف بسبب نقص الخبرة فإن معظم التجارب التي يطغى عليها روح التجريب هذه تذهب سدى إلا القليل منها الذي ينم على موهبة حقيقية وفلتة في المستوى لذلك تجارب الكتابة الأولى عادة تكون متواضعة بسبب هذه الأمور.

الرغبة في صنع شيء مدوي

هناك ولع بالدوي وأن يقوم الإنسان بصنع شيء مدويّ يبهر الجميع لأنه في النهاية كاتب مبتدئ ليس له اسم ولا أحد يعرفه ويرغب في أن يصل بأقصى سرعة فالحل أن يقوم بشيء مدوِّ كي يبهر الجميع وبالتالي يتناقل الناس اسمه ويصبح مشهورا ولعل الرغبة في الشهرة إذا حركت كاتبا معينا فإنه قد يشتهر وقد لا يشتهر بمعنى أن هذا الأسلوب قد يوصل كاتبا للشهرة فعليا ولكنه يظل كاتب غير حقيقي، بالتالي طلب الشهرة ليس عيب ولكن من الأفضل على الإنسان أن يعي ماذا لديه قبل أن ينظر للشهرة من عدمه بالتالي تأتي تجارب الكتابة الأولى بكل هذا القدر من الأحلام والتصورات والأفكار حول العمل الذي يكتبه وكيف سيكون تلاقف الناس له وتخاطفهم إياه والشهرة التي سينالها بسببه أما عندما يصبح كاتبا كبيرا فإنه يتخفف من كل هذه التصورات ويكتب بالفعل بدون نظر إلى ما بعد الكتابة لأنه قد نال هذه الشهرة بالفعل.

وضع الناشر في الحسبان

لعل أكبر أزمة تواجه الكتاب الأوائل هل هو سيجد بالفعل من ينشر له أم لا، هل سيجد الناشر الذي سيقتنع بموهبته أم لا هل سيستطيع إبهار صاحب دار للطباعة كي يوافق على تبني موهبته أم لا لذلك يسعى لصنع الشيء المبهر الذي يوصله بالفعل لمكاتب الناشرين وعقود النشر واحتلال رفوف المكتبات ومتاجر التوزيع، لذلك إن كنا سنكتب من أجل مغازلة الناشرين أو الحوز على رضاهم فحسب والذي ينبع إما من مجموعة من القيم والمقاييس التي يقيم بها التجربة ويقيس بها جودة العمل إن كانت له توجهات أو أفكار معينة أو إن كان يستقي مقاييسه من الاتجاه السائد في سوق الكتابة والأدب فبالتالي يعني مغازلة القراء أيضًا وهذا بالطبع يؤثر على صدق التجربة وحقيقيتها ويجعل تجارب الكتابة الأولى بهذا القدر من التواضع.

تشتت الأفكار وازدحام الذهن

لدى الإنسان الكاتب حينما يواجه الورقة البيضاء لأول مرة عدة أفكار وهواجس وخيالات، شخصيات تجول في ذهنه وجمل حوارية ومنحنيات درامية وأحداث متعددة ومفاجآت وغرائب وعجائب بالتالي يريد أن يسطر كل هذا مرة واحدة تماما مثلما يسكب الدّهان الطلاء على الجدار ولكنه لا ينتظر منه أن يصبح لوحة فنية بل سيظل جدارا مطليا بلونٍ ما، بالتالي احتشاد الذهن بالأفكار والهواجس ومحاولة قول كل شيء وعدم التركيز على شيء معين ستنتج رواية سطحية وغير مشبعة ومحبطة لأقصى درجة بالتالي تكون تجارب الكتابة الأولى للكتاب الكبار متخبطة وغير واعية في حين تتضح الرؤية أكثر في التجارب التالية وينشأ التركيز والتكثيف لحالة معينة والوعي بالشيء الذي يجب عليهم كتابته وما هو الشيء الذي لا يهمهم بالتالي يهملونه.

حداثة السن وضآلة التجربة

هل قلنا من قبل أن الكاتب الجيد يتغذى على تجربته الإنسانية، نعم بالطبع هذه هي الحقيقة وليس معنى ذلك أنه سيكتب سيرته الذاتية ولكن لا يمكن لخيال أن يتسع دون تجربة إنسانية ودون معارف ومعلومات وخبرات وتجارب خاضها ومواقف مر بها وأحداث حدثت له، قد لا يستعملها في كتابته على الإطلاق ولكن لا شك أنها ستفيده على الأقل من أجل إطلاق شرارة الكتابة، فلا يمكن لكتابة أن تخرج هكذا من العدم ومهما بلغت خيالات الإنسان فبدون تجربة لن تكون الكتابة حقيقية بل ستكون أحادية الأبعاد سطحية جافة وبالتالي بنقص التجربة والعنفوان والرعونة والتهور المرتبطين بحداثة السن في هذه الفترة تكون تجارب الكتابة الأولى على هذا القدر من الإحباط والسخافة عكس التجارب التالية ذات النضج واتساع التجربة وصقل الموهبة وتراكم الخبرة.

تجارب الكتابة الأولى والرغبة في جذب الانتباه

هناك صورة نمطية مأخوذة عن أن الكتاب أشخاص مميزون لامعون دائما ولهم بريق خاص بالتالي الانتساب إلى فئة الكتاب يعني الاستمتاع بهذا البريق والتواجد داخل دائرة الضوء والكاتب ستحوم حوله الفتيات وستطارده المعجبات وسيلقى التقدير المناسب في كل مكان وستلاحقه كاميرات الصحفيين والمذيعين والتقارير التلفزيونية وغير ذلك بالتالي يرغب الكاتب في جذب الانتباه ولفت الأنظار إليه بالتالي يستطيع بالفعل أن يضع ما يلفت الأنظار إليه لكن أبدا لا يستطيع أن يصنع شيئا مؤثرا أو يكتب عملا يظل في ذاكرة الزمان لا يمحى بمرور السنوات، لذلك تأتي تجارب الكتابة الأولى محبطة لأقصى درجة ويظهر رغبة الكاتب فيها بممارسة فعل الكتابة فحسب بغض النظر عن المحتوى.

الافتقار للأصالة والتأثر

أخيرا نعرف أن تجارب الكتابة الأولى يسبقها فترة لا بأس بها من القراءة بل يمكن أن تكون القراءة أصلا هي دافعا للقراءة بحيث تنشئ نوعا من الغيرة والرغبة في تقليد الأعمال التي ظلت تأسرنا لفترات طويلة بالتالي نجد أن هذه التجارب يسود فيها التأثر بكتاب معينين ونستطيع أن نميز أسلوبا ما لكاتب متأثر به الكاتب الشاب وهذا ليس عيبا لأنه قد يتم بشكل لا واعي أصلا ولكن ما يبقى في مخيلة الآخرين دائما هو الأصل بالتالي يصبح الكاتب أصيلا في التجارب التالية بعد أن يجد صوته الفني ويعثر على موهبته الحقيقية مدفونة تحت كل موجات التأثر والتقليد.

خاتمة

تجارب الكتابة الأولى عادة تكون دون المستوى ولا يجب علينا أن نقيم الكُتاب على أساس أعمالهم الأولى لأن هذا يظلمهم بالطبع، ولكن علينا أن نعي الأسباب التي جعلت هذه التجارب متواضعة إلى هذا الحد والتي سردنا بعضا منها بالأعلى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

1 × 3 =