لماذا يجب أن نتحدث ونثير الرأي العام حتى مع عدم التغيير؟

أسباب أهمية الرأي العام في تشكيل السياسة وتوجيه القادة إلى الطريق الصحيح

يرى معظم الناس أنه طالما الحديث حول السياسة وإثارة الرأي العام لا يؤثر بشكل ملحوظ ولا يغير الأمور نحو الأفضل فهو مثل عدمه ومن الأفضل التوقف عنه، في السطور التالية سنعرف أسباب خطأ هذا الرأي، وضرورة الحديث وإثارة الرأي العام دومًا.

0

يحلو للبعض أحيانا الحديث باستفاضة حول عدم أهمية الرأي العام وتكوينه مع عدم التغيير وبما أن حديثنا المتواصل ونقاشاتنا حول أحوال البلاد لا يغير ولا يبدل ولا يقدم ولا يؤخر بالتالي فهو مثل عدمه وعلينا أن ننشغل أكثر بأمورنا الخاصة وحياتنا الشخصية وشئوننا الصغيرة عوضا عن الحديث في سياسة الدول والحكام والقرارات الاقتصادية والاجتماعية وغير هذا، بعيدا بالطبع عن أن أمورنا الخاصة وشئوننا الشخصية تؤثر فيها بشكل كبير هذه الأمور الكبيرة والشئون التي تحسبها لا تهمك، فإن هناك أسباب هامة للحديث وإثارة الرأي العام حتى إن كنت لا تلحظ تغييرا أو تأثيرا كبيرا بالحديث حول هذه الأمور، وسنتحدث في السطور التالية حول هذا الأمر باستفاضة:

تشكيل الرأي العام أصلا يأتي من خلال التحدث

لا يوجد شيء اسمه الرأي العام بدون حديث، ما يسمى برجل الشارع، أي الشخص العادي جدا والذي يفتي ويتحدث مثلما يشاء حول القرارات الاقتصادية أو الشئون السياسية هذا هو ما يطلق عليه الرأي العام، لا يمكن تفهم أن الحديث المستمر هو ما يسمى ردود الأفعال في الشارع وأنه بدون الحديث والنقاشات التي تحدث في الأماكن العامة والخاصة والمواصلات ومكاتب العمل والشركات والمصانع والحقول والمزارع وحتى على شبكات التواصل ومواقع الإنترنت هو ما يشكل الرأي العام بالفعل، لذلك من غير المنطقي أن يسكت الناس ونكف عن إثارة الرأي العام لأن هذا هو أصلا ما يسمى إثارة الرأي العام.

حق تعبير كل إنسان عما يحدث في واقعه

حق التعبير مكفول لكل شخص، لا يمكن أن نخرس الرأي العام بأكمله لأنه غير مؤثر، منذ متى والحديث وحده مؤثر، الحديث والنقاش عادة يكونان من الحقوق المكفولة للشعوب بغض النظر عن إن كان رأيها صحيح أم لا، مبني على أسس ودلائل منطقية أم لا، وليس من الطبيعي أن نمنعهم من الحديث لأن هذا هو الحق الطبيعي المستقل لهم، وعلى ذلك علينا أن نمنع تأوهات المرضى لأن التأوهات لا تعالج الأمراض، أو نمنع تفجع الناس على الأموات لأن البكاء والعويل لن يعيد الموتى مرة أخرى، التعبير عما يجيش بصدر الإنسان مكفول للجميع بغض النظر عن تأثير هذا التعبير في الواقع من عدمه.

التغيير يأتي على المدى البعيد

قد يظن الشخص الفطن الذي ينادي بالسكوت لأن الكلام لا يؤثر ولا يغير شيء أن التغيير يجب أن يأتي بمجرد الحديث، بل ربما أن الحديث عن الأشياء المسكوت عنها وإثارة الرأي العام حولها وبعثها من مرقدها هو الفضيلة العظمى والأهم ولذلك يمكن أن نتحدث اليوم فلا يؤثر حديثنا إلا بعد أعوام عدة ولعلنا عرفنا أن ثورات الربيع العربي تكونت بالأساس بسبب هامش الحرية الذي صنعه المدونون على الإنترنت وغيرها وإثارة قضايا الفساد في الصحف والتعذيب في الأقسام والسجون ربما قبلها بعشرة أعوام وربما أكثر بكثير، مما يعني أن التغيير لا يأتي بشكل تلقائي، وأن الطريق للتغيير طويل ومرير ويحتاج لصبر وأناة، فربما نزرع اليوم ما نحصده بعد عشرات الأعوام.

قض مضاجع الطغاة

لدى البعض انطباع أن الحكام عادة أشخاص ينامون في أبراجهم العاجية مطمئنين لأن التحدث حول قراراتهم وسياساتهم الداخلية والخارجية لا يمس شعرة واحدة منهم وهذا الحديث بالطبع ليس حقيقي على الإطلاق، الأنظمة الفاشية والمستبدة عادة تخاف أكثر ما تخاف من الكلمة، ربما لا تخاف من الجريمة أو من التخريب بل تخاف من الكلمة وتأثيرها لعلمها بأن الكلمة تغير وجهة نظر عشرات ومفعولها يسري لفترات طويلة بعد إصدارها، بالتالي أي حديث حول قراراتها وسياساتها وإثارة الرأي العام والبلبلة حولها يقض مضجعهم ولا يشعرهم بالارتياح، لأن ثمة شعوب تفهم وتعي وترفض وتشجب ولو حتى من خلال الكلمة والحديث والنقاش والتحليل.

توعية الناس وخلق السيولة الفكرية

من أهم الأسباب التي من أجلها يجب أن نتحدث ونثير الرأي العام هو توعية البسطاء وإكسابهم القدرة على التحليل وعدم خضوعهم للأبواق الإعلامية المؤسسية وخلق رؤية نقدية ذاتية لديهم لأي قرار أو سياسة تصدر عن الحكام لكي يفهم هل هي في مصلحته أم لا؟ حتى لا تنوم الأنظمة شعوبها مغناطيسيا وتسلبهم حتى القدرة على الفهم والإدراك وتلاشي وعيهم بالكامل وبالتالي حتى إن تحركت الأنظمة ضد مصلحة المواطن فإن هناك الكثير من المواطنين يكونون على استعداد لمباركة هذه القرارات التي تعمل ضده بفعل سلبه وعيه وقدرته على الإدراك وغياب الرؤية التحليلية النقدية.

كسب معارك صغيرة

قد يظن الأشخاص أن هناك أشياء يجب أن تزال من جذورها وأنه لم يُحدث الرأي العام والمعارضة هذا التغيير الجذري يصبح عديم الجدوى، لكن على الأرض يتم كسب معارك صغيرة وانتصارات ميدانية هامة مثل قرارات تتعلق بالأجور وأخرى تتعلق بالضمان الاجتماعي والدعم ناهيك عن التراجع عن قرارات معينة خوفا من غضبة الشعب المعارض والساخط على أداء الحكومات وسياسات الأنظمة مما يعني أن تعد الأنظمة ألف حساب لرجل الشارع وتوقع الرأي العام حول المسألة قبل اتخاذ قرار أو سن قانون أو تعديل مادة أو إضافة بند، وهذه هي القيمة الأهم للرأي العام.

التشبث بمفاهيم العدالة الاجتماعية والحرية

الحديث الدائم عن مفاهيم مثل العدالة الاجتماعية والتكافل والحرية من الأشياء التي تجعلنا نتشبث بها ونمشي وراءها كقيم ومثل عليا حتى لا يستبد الحاكم بشعبه ويظن أن هذه المفاهيم مجرد شعارات بل يجب أن نجبره هو أيضًا على أن يتحدث باسمها لأنه في حالة زوال هذه المفاهيم لن يهتم الحاكم أصلا بتبرير استبداده، وجود صوت يذكره بأهمية العدالة وحرية الرأي والتعبير والإصلاح الاقتصادي كالشوكة في الحلق مهم جدا جدا.

المزيد من الخضوع يعني المزيد من الاستبداد

لا يعني المزيد من السكوت والخضوع للحاكم ومحو أي شيء اسمه الرأي العام سوى مزيد من الاستبداد، كما قلنا أن الحكام يخافون من الحديث وإثارة البلبلة حول حكمهم وسياساتهم ولو استرجعنا كل الأنظمة الفاشية سنجد بينها سمة مشتركة وهي خنق المعارضين وتعذيبهم والتنكيل بهم أشد التنكيل لعقابهم من جهة ولإرهاب الآخرين من جهة أخرى حتى لا يفكروا في مجرد الحديث بينهم وبين أنفسهم ولا حتى في غرف المغلقة وبصوت خفيض، خنق الرأي العام وإماتته تماما هو مبتغى كل نظام فاسد واستبدادي وفي حالة السكوت فإنه سيتصور بأنه مهما ازداد استبدادا فستقابل هذه التصرفات بالسكوت أيضًا وبالتالي لن يكبح جماحه أحد، لذلك يجب علينا الحديث والمزيد من الحديث وإعلاء وتيرة الحديث بكافة الوسائل الممكنة سواء بالتحليل أو بالكتابة أو بالنقاش أو بالرسم أو بالفن أو بأي وسيلة ممكنة من أجل خلق مناخ صالح للمعارضة وإتاحة مجال لتواجد الرأي العام وتعليقه على قرارات السلطة.

خاتمة

إثارة الرأي العام والحديث حول السياسة ليس رفاهية أو أمر مثل عدمه، هذه الأشياء تكتسب سلطتها وسطوتها باستمرار وتكوّن سلطة موازية وعلى الأقل إن لم تغير بشكل جذري وبشكل سريع فإنها تعمل على ذلك على شكل كسب انتصارات صغيرة ممهدة للتغيير الجذري على المدى البعيد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

عشرة − خمسة =