لماذا سقطت الدولة العثمانية بعد أن كانت الأقوى؟

أسباب تهاوي الدولة العثمانية بعد وصولها إلى أوج قوتها

ظلت الدولة العثمانية قائمة لمدة تتجاوز الستمائة عام، وتوالي عليها العديد من السلاطين ذو الأصل العثماني، ولكن في نهاياتها قد ابتعدت عن المنهاج الإسلامي وحدثت صراعات داخلية عديدة، حتى سقطت وتقاسم أملاكها الأوروبيين.

0

عندما تأسست الدولة العثمانية على يد عثمان بن أرطغرل عام 633 هجريًا كانت لإعلاء كلمة الله عز وجل وتطبيق المنهاج الإسلامي وفق خطى النبي الكريم، وهذا ما زرعه أرطغرل في قلب ابنه قبل الموت، وسارت هكذا الدولة العثمانية حتى اتسعت وزاد اتساعها أكثر لتصبح أكبر خلافة إسلامية وصلت فيها الرقعة الجغرافية للدولة لهذا الحد الكبير، ولكن في نهاياتها أصبحت الدولة ضعيفة وتنهش فيها الدول الكبرى، وهذا بسبب الابتعاد عن المنهاج الإسلامي، وكثرة الصراعات الداخلية، واختلاف الشعوب التي تحت إمرتها نظرًا للتوسع الجغرافي الكبير، والدول البلقانية التي أخذت في التوسع على حسابها، ولا ننسى دور الحملات الصليبية الذي أجهد كثيرًا القوى العسكرية للدولة، وأخذ بعض ممتلكاتها في الشمال الأفريقي، مما جعل الحرب العالمية الأولى هي أخر سطور كتبت في مجلد الدولة العثمانية الكبير، ونحن هنا سنتعرف على هذه الأسباب بالتفصيل، فتابعوا معنا.

اختلال نظام الجيش الإنكشاري

الجيش الإنكشاري هو بمثابة الجيش الخاص للدولة العثمانية، حيث أنه قد أنشاءه السلطان مراد الأول بن أورخان بغرض حماية السلطان العثماني وقد تجهزوا بأعلى الأسلحة وتزودا بالكثير من الأموال حتى صاروا أقوى الفرق العسكرية في أوروبا والعالم أجمع، وهذا ما ظهر جليًا عندما حاولت الدولة الإسبانية احتلال هولندا فقامت الأخيرة بمناشدة الدولة العثمانية لحمايتها، فأرسل السلطان أربعين بدلة من لباس الجيش الإنكشاري وجعل الهولنديين يلبسونهم وقت القتال، ولما رأوهم الإسبان هرعوا من الميدان لاعتقادهم بمساعدة الجيش الانكشاري للهولنديين، وقد كانت تقام ثكنات عسكرية خاصة بهذا الجيش بها كل ما يلزمه، ومع مرور الوقت اختل هذا النظام وقاموا بالزواج وتناسي الفنون القتالية، ووقفوا ضد الإصلاح ودعواته حتى راح ضحيتهم السلطان سليم الثالث بعدما قرر إدخال بعض الإصلاحات على الدولة فقاموا بالثورة عليه وعزله ثم اغتياله لاحقًا.

ولذلك يعد الجيش الإنكاري عامل أساسي وحاسم في انهيار الدولة العثمانية، لأن هذا الجيش كان أقوى ما تملكه الدولة وبعد القضاء عليه نهائيًا من قبل السلطان محمود الثاني نظرًا لما يسببه من أضرار وعقبات داخل السلطنة، أصبحت الدولة العثمانية ضعيفة بالمقارنة مع الدول الأوروبية التي كانت تسير سريعًا في منهاج التقدم الصناعي والعسكري.

الامتيازات الأجنبية

من عوامل ضعف الدولة العثمانية وانهيارها هو نظام الامتيازات الأجنبية، حيث كان هذا النظام يعرقل الكثير من الإصلاحات والجهود التي حاولت الدولة إنجازها، وذلك لأن الدول الأجنبية صاحبة هذه الامتيازات كانت تتدخل في شئون الدول بشتى الطرق والأساليب، وهذا ما عانت منه الدول العربية التي كانت تحت حكم العثمانيين بسبب ظهور النعرات الطائفية والتفرقة الدينية، حيث أن هذا النظام قد نشأ في عهد السلطان محمد الفاتح عندما فتح القسطنطينية، عندما منح لسكانها الامتيازات الخاصة ولتجارها أيضًا وذلك لإنعاش التجارة والاقتصاد في الإمبراطورية، وقد تعمق أكثر في عهد السلطان سليمان المشرع عندما عقد اتفاقية اقتصادية وعسكرية مع فرانسوا الأول ملك فرنسا، وبموجبها حصل الفرنسيون على امتيازات تجارية خاصة بهم، وأصبحت سفنهم تجول في البحر المتوسط والموانئ العثمانية للتجارة بكل حرية بدون قيد أو شرط، وعلى الجانب العسكري أصبحت الدولتين في تعاون مشترك في حالات الحرب البحرية.

وهذه الامتيازات الأجنبية لم يكن لها أي خطورة خلال فترة القوة العثمانية، ولكن مع ظهور الضعف العثماني أصبحت هذه الامتيازات بمثابة المسمار الذي يدق في نعش الدولة، فقاموا بالتدخل بالشئون العثمانية في العديد من المناطق الخاضعة لها، مما كان له أكبر الأثر في انهيار الدولة العثمانية.

الحروب الصليبية على الدولة العثمانية

من ضمن الأسباب الهامة لانهيار الدولة العثمانية هي الحروب الصليبية، حيث أنها قامت بأخذ بعض الدول في شمال أفريقيا من أيادي العثمانيين مثل ليبيا التي احتلتها إيطاليا، ومصر التي أخذتها بريطانيا، بجانب المناوشات التي كانت تحدث في البحر المتوسط في ظل ضعف البحرية العثمانية، مما جعل العثمانيون يقبلون بالخضوع لهم وعقد المعاهدات لتفادي الشر الناتج منهم، هذا بجانب الدور الفرنسي الهام في الجزائر ونزعها من تحت الحكم العثماني أيضًا، ولا ننسى الدور الروسي في بلاد القوقاز الذي عامل المسلمين بقسوة وهجرهم منها.

ابتعاد الدولة عن المنهج الإسلامي

عندما تأسست الدولة كانت تسير وفق خطى الإسلام ومنهاج النبوة لمدة كبيرة من الحكم، ولكن قبيل نهايتها ابتعدت عن هذا وأدخلت قوانين ذات أصل علماني أو نصراني لا يمت للشريعة الإسلامية بصلة، وتعمق الشعب في الفجور والعصيان والانحراف عن طريق المستقيم الذي هو أساس دولتهم، هذا بجانب كثرة المحظيات لدى الملوك والأمراء وانتشار ليالي الطرب والرقص، وحب الدنيا وأموالها عن الدار الأخرة، وأيضًا لا ننسى زواج السلاطين من الملكات الأجنبية والتي لعبت على مشاعرهم وتدخلت في الكثير من قوانين وأحكام الدولة، بجانب سير أواخر السلاطين وفق أهواء ورغبات زوجاتهم مما أضعف الأمة الإسلامية كثيرًا، ولذلك يعد الابتعاد عن المنهاج الإسلامي والسير وفق خطى النبي الكريم هو من أهم أسباب انهيار الدولة العثمانية.

ضعف البحرية وتقدم الأوروبيين

عجزت البحرية العثمانية عن صد الخطر البرتغالي في البحار الشرقية، حيث أنه في النصف الثاني من السادس عشر كانت الدولة العثمانية ضعيفة سياسيًا وإداريًا وعسكريًا مما أدى إلى ضعفهم بحريًا، فقامت البحرية البرتغالية بفرض حصار بحري على التجارة العربية وإخراجها من طور المنافسة العالمية، مما أدى إلى انفصال المغرب العربي عن القسطنطينية في التعامل، ولم تكن البحرية البرتغالية وحدها السبب بل ظهرت بعض العصبيات العسكرية في بلاد المغرب مثل البايات في تونس، والدايات في الجزائر، والقرمانلية في ليبيا، مما أدى إل تدهورها نهائيًا، أما عن التقدم الأوروبي فقد تطورت هذه الدول عسكريًا بشكل رهيب فقامت باختراع أسلحة برية وبحرية، وطورت من أساليبها الحربية وتقنياتها الهجومية والدفاعية مما أدى إلى هزيمة الدولة العثمانية في الكثير من المعارك، بعدما كانت أقوى دولة في العالم وتهابها كل الممالك، وهذا ما أدى إلى تقلص رقعتها الجغرافية حيث تنازلت عن شبه جزيرة القرم لروسيا بعد حرب 1868 وهي أول منطقة تتخلى عنها الدولة العثمانية، وتوالت بعدها الكثير من المقاطعات التي تخلت عنها بسبب ضعفها وعدم مسايرتها للتقدم التكنولوجي والصناعي والعسكري.

الحرب العالمية الأولى

كانت الحرب العالمية الأولى أحد أسباب انهيار الدولة العثمانية وتقاسم أراضيها، حيث أن الدولة اشتركت في الحرب مع دول المحور الثلاث ولكنها في الحقيقة كانت ضعيفة ولا تستحمل الدخول في حروب مع قوى كبيرة مثل بريطانيا وفرنسا ولكن هذا ما حدث، ففي البداية قامت بفتح معابرها لدخول بعض البوارج الألمانية الهاربة من سفن البريطانيين وهذا يعد دخول غير مباشر، ولكن بعد أن وجدت الجيوش العثمانية أن ألمانيا تدمر الإمبراطورية الروسية أجهزت هي الأخرى عليها لكي تستعيد أراضيها المفقودة منذ مدة، ثم قامت أيضًا بإلغاء الامتيازات الأجنبية، مما دفع الروس لإعلان الحرب على العثمانيين أيضًا بمساعدة بريطانيا وفرنسا، مما جعل الدولة العثمانية ضعيفة أمامهم ولا تقوى على صدهم جميعًا، فقام السلطان محمد الخامس بالاستنجاد بالمسلمين في شتى أنحاء العالم ولكن للأسف كانت أغلب مناطق العالم مليئة بالحروب البريطانية والفرنسية القائمة على أراضيها وخاصة في شمال أفريقيا، مما لم يمكنهم من تأدية دورهم في الجهاد ومساعدة الأخوة العثمانيين.

حرب الاستقلال التركية ونتائجها

من العوامل الهامة التي أسهمت بشكل رئيسي في إسقاط الدولة العثمانية هو حدوث حرب الاستقلال التركية، حيث قامت الحرب في التاسع عشر من مايو عام 1919 واستمرت لمدة أربعة أعوام تقريبًا، فقد توفى السلطان محمد الخامس قبيل انتهاء الحرب العالمية الأولى وتعين مكانه أخاه محمد السادس، وبموجب اتفاقية مودروس التي أعقبت الحرب أتيح للفرنسيين والإيطاليين والبريطانيين والأمريكان من دخول القرن الذهبي الخاص بالعثمانيين، وسيطروا على البحر الأسود عن طريق قواتهم الضخمة، مما أثار هذا حافظة الشعب العثماني وخاصة بعد تقسيم الحلفاء لأجزاء من الدول العثمانية فأخذت إيطاليا قونية وأنطاكيا، واليونان أخذت تراقيا وجزء من الأناضول، وفرنسا أخذت أضنة ومرسين، مما أدى إلى ظهور حركة الاستقلال التركية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، وكان هدفها هو ردع هذا التدخل الأجنبي الغاشم ومعاتبة الحكومة والسلطان على هذا التخاذل الكبير الذي يشبه التعاون مع الأجانب والخيانة في نظرهم، وقام كمال بتشكيل حكومة جديدة وألغى صلاحيات السلطان وحكومته، ووقف السلطان أمام هذا الانقلاب بضعف رهيب.

ثم دخل مصطفى كمال حرب مع اليونانيين واستطاع الانتصار عليهم واستعادة أملاك الدولة مما ألهب حماس الشعب وهبوا لمساندته بشدة، وأصبح كمال هو أقوى شخصية في الدولة وله نفوذ سياسية كبيرة وقام بعزل السلطان وفر الأخير إلى مالطة في معزل عن هذه الصراعات، فتعين خلفًا له السلطان عبد المجيد الثاني ولم يكن سوى سلطان على الورق فقط، فلم يكن له أي صلاحيات أو قرارات وكان مصطفى كمال هو سيد الموقف في البلاد، وبعهدها بعامين تقريبًا قام بطرد السلطان وإلغاء الخلافة العثمانية نهائيًا وبذلك يكون أسدل الستار عن نهاية الدولة العثمانية استمرت ستة قرون عاش فيها الإسلام عزة عارمة ووصل لأقصى اتساع لها خلالها.

ثورة العرب على الأتراك

أثناء محاولة القوات العثمانية صد التحالف البريطاني الفرنسي الروسي عن أراضيها أتت إليهم أخبار الثورة التي أشعلت ضدهم من قبل أهل الحجاز، حيث أن التحالف الثلاثي عرض على ملك الحجاز حسين بن علي الهاشمي الثورة على العثمانيين مقابل استقلالهم وعودة الخلافة للعرب مرة أخرى، فوافق حسين على ذلك وقام بإخراج الحامية العثمانية من بلاد الحجاز ثم تبعهم في بلاد الشام عبر إرسال جيش بقيادة ابنه فيصل الأول، وقد وصلت هذه الأنباء إلى الدولة العثمانية في الوقت الذي تمكن فيه البريطانيين بمعاونة الفرنسيين في سحق القوات البلغارية، مما يعني أن الحرب باتت وشيكة على الحدود العثمانية، فطلب الصدر الأعظم من دول الحلفاء عقد معاهدة لإيقاف هذا الزحف وسميت باسم مودروس، والتي أضحى بموجبها تقسيم الأملاك العثمانية، وتقليص أعداد الجيش العثماني وخروجه من بلاد الحجاز والرافدين وسوريا واليمن، ولذلك تعد هذه الثورة التي خرجت من بلاد الحجاز العربية بمثابة الطعن من الخلف والقضاء على القوة العثمانية من جميع الجهات.

ختامًا

عندما تأسست الدولة العثمانية على يد عثمان بن أرطغرل كانت تسير وفق منهاج النبوة وعلى الحكم الإسلامي الصحيح ولذلك ترعرعت وتوسعت بدرجة كبيرة جدًا، ولكن بعد إخلال الحكم الإسلامي ودخول الأحكام الخارجية وظهور الخلع والمجون في الدولة، أصبحت مثل سابقتها وتم إسقاطها في النهاية.

الكاتب: أحمد علي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

18 − خمسة =