لماذا حدثت الحروب الصليبية للسيطرة على بلاد العرب؟

أسباب حدوث الحروب الصليبية على بلاد المسلمين

مع بداية القرن الثاني عشر الميلادي حدثت عدة هجمات شرسة على بلاد العرب، عرفت في التاريخ باسم الحروب الصليبية ، فهل تعرف ما حقيقتها، وما الدوافع التي أدت لحدوثها؟ وما التأثيرات التي أوجدتها على أوروبا والشرق الأوسط؟

0

قبل التحدث عن دوافع الحروب الصليبية وأسباب حدوثها نود أن نسلط القليل من الضوء على حالة العالم الإسلامي وقتها، فقد كانت الأحوال الداخلية والخارجية لأغلب البلاد العربية تعاني من حالة ضعف واهتزاز شديد، حيث كان يتواجد ثلاثة دول إسلامية كبيرة تحكم العالم الإسلامي وهم الدولة الفاطمية والدولة السلجوقية والخلافة العباسية، ِأما عن الدولة الفاطمية فكانت تحكم مصر وأجزاء من بلاد الشام، وكانت في هذه الفترة تعاني من الضعف والهوان وكانت توجد العديد من الصراعات بين الوزراء من أجل الوصول إلى السلطة، ثم تأتي الخلافة العباسية بصورة أضعف من الفاطمية، حيث أن الخليفة العباسي كان ضعيف الشخصية وليس له سلطان عسكري أو سياسي على أي مكان، هذا بجانب الصراعات والخلافات الكثيرة التي حدثت بين العباسيين والفاطميين قبيل بدأ الحملات الصليبية، أما عن الدول السلجوقية فكانت مثل السد المانع بين الشرق الإسلامي وهجمات الصليبين لفترة ليست بالقليلة، ولكن مع الوقت ضعفت وتمكن الصليبيين بمعاونة البيزنطيين بتوجيه أولى ضرباتهم للعالم الإسلامي.

التعصب الديني واسترداد الأراضي المقدسة

كان الدافع الرئيسي والذي تبعه بقية الدوافع الأخرى هو التعصب الديني واسترداد الأراضي المقدسة، وما يثبت ذلك هو أن الحروب الصليبية جاءت بموافقة ومباركة الكنيسة والبابوية، وأيضًا قد ظهر ذلك جليًا في ملبسهم حيث كان يرسم الصليب باللون الأحمر تشبهًا بالدم على الكتف والصدر، وقد بدأ التجهيز للحروب في عام 1095 ميلاديًا عندما قال البابا أربان كلمته الشهيرة هذه إرادة الله، وحمل الفرسان في قلوبهم تخريب بيت المقدس وإجلاء المسلمين عنه لكي ينشروا المسيحية فيه وفي الأراضي المجاورة، وقد ظهرت أيضًا حركة الأحياء الديني التي عملت على إثراء الروح المعنوية بواسطة الدين المسيحي، وذلك بنشر تعاليمه ومنهاجه لعامة الناس وخاصة فرسان الجيش.

امتلاك الكنيسة لزمام الأمور في العالم المسيحي

قد امتلكت البابوية زمام الأمور وأصبح لها السيطرة على جميع الكنائس الغربية، مما أدى إلى توغل الحماس الديني لدى جميع المسيحيين، ثم بدأت كنيسة روما تعمل على توحيد الصفوف وجمع شتاتها للتوجه صوب الشرق الإسلامي، فأصدرت قرار بإلزام عامة المسيحيين بعدم مقاتلتهم لبعض ومنع التعصب المذهبي الذي كان يجري في العالم المسيحي، وقد كان الحجاج المسيحيين قديمًا يذهبون في جماعات قليلة ومستضعفة ليس معهم سلاح ولا شيء، ولكن مع نهاية القرن الثاني عشر ازدادت جموع الحجاج وتحصنوا بالأسلحة بحجة ردعهم للخطر المحتمل من العالم الإسلامي، وقد ازدادت شوكة المسيحيين أكثر بعد هزيمتهم في معركة ملاذكرد على يد السلاجقة، حيث قام مسيحي الشرق بالاتصال بمسيحي الغرب طلبًا للمساعدة والاتحاد ووضع الخلافات المذهبية جانبًا.

وبالفعل قد وافقت الكنيسة الرومانية على ذلك لعدة أسباب وهي، خشية البابوية من الدولة السلجوقية بعد انتصارها في ملاذكرد من توغلهم داخل الأراضي الأوروبية، محاربة المسلمين في جميع أنحاء العالم بعدما ازدادت رقعتهم الجغرافية، تأمين طرق الحج المؤدية لبيت المقدس، تمكنهم من استعادة بيت المقدس بعد هذا التعاون.

الحالة الاقتصادية المتردية في أوروبا

من ضمن الأسباب الهامة في بدأ الحروب الصليبية هو تردي الحالة الاقتصادية للبلاد الأوروبية، حيث أن الجدب قد ضرب العالم المسيحي في بدايات القرن الثاني عشر الميلادي، وقلت العملية الزراعية والإنتاجية في البلاد، وقد سمع الأوروبيون عن طريق الحجاج ما تنعم به بلاد الشام من خيرات وفيرة وزراعات كثيرة، فلذلك كانت أطماع بعض المشتركين في الحرب مثل الإمارات الإيطالية هو الاستيلاء على مواني ومتاجر الشرق والغرب، ولذلك دخل الإيطاليون الحرب بكل قوتهم المادية والعسكرية، فقاموا بإمداد الجنود المرابطين بالأسلحة والأموال طيلة العملية الحربية، ولا يعني هذا أن كل الإيطاليين الذين شاركوا كان هدفهم التجارة والاقتصاد فقط، بل كان منهم من لديه نزعة دينية كبيرة وتعصب شديد ضد العالم الإسلامي، وخاصة مدينة البندقية التي شاركت في الحرب بضراوة وذلك بفضل الأسطول القوي التي تمتلكه، حيث كانت تشارك بأعداد كبيرة من سفنها في حصار مدينة عكا ويافا وحيفا وبيروت وغيرها من المدن الساحلية الهامة خلال الحروب الصليبية.

عدم استقرار الحالة الاجتماعية في أوروبا

قبيل الحروب الصليبية كانت الحالة الاجتماعية في المجتمع الأوربي غير مستقرة، ويوجد تفاوت بين الطبقات من الأمراء إلى الفقراء لدرجة دفعتهم لخوض غمار الحرب، فأما عن الأمراء الصغار فكان يوجد ظلهم لهم من قبل الأمراء الكبار، حيث كانوا يأخذون حقوقهم وأموالهم بوجه القوة، مما دفعهم إلى المحاربة لعل وعسى تكون البلاد الإسلامية هي من تحقق أمانيهم بعدما وعدهم البابا بالخيرات والثروات الكبيرة المدفونة في بلاد الشرق الإسلامي، وهذا ما كان يسعى إليه أيضًا الفلاحين والفقراء والأرقاء، وأما عن الفرسان الشجعان فكانوا يطمعون إلى إظهار قوتهم وصولاتهم وجولاتهم في ميدان المعركة تقربًا لبابا الكنيسة الرومانية، وأخيرًا تأتي طبقة التجار وهؤلاء شاركوا في الحروب الصليبية طمعًا في كسب الأموال والذهب والفضة، وذلك نظرًا لما كانوا يلقونه من تعسف واضطهاد ضدهم في فرض الضرائب الباهظة، وإغلاق المحلات التجارية والتي كانت مصدر رزقهم، ناهيك عن الغارات التي كانت تشنها القبائل الهمجية لكي تسلب وتنهب محلاتهم، مما دفعهم إلى خوض غمار الحرب لكسب قوت العيش.

الحروب الصليبية نتيجة المصالح الشخصية والأطماع الاستعمارية

كانت تسعى الكثير من الدول الأوروبية بقيادة ملوكها لنيل بعض أراضي العالم الإسلامي، بجانب الحصول على مكانة عالية ومرموقة في المجتمع الأوروبي، وأشهر هؤلاء الملوك الفرنسي لويس التاسع، والملك فردريك، وفيليب حنا، وريتشارد قلب الأسد، وقد كانت المصلحة الشخصية هي الدافع الأول لهم وذلك بغرض الظهور والشهرة في الأوساط المجاورة، وأيضًا قد عرف هؤلاء الملوك أن من يشترك في الحروب الصليبية سوف يلقى تأييدًا كبير من البابا، وكما تعلمون كانت للبابا السلطة الروحية على العالم المسيحي أجمع، ومن يرضى عنه البابا ويعظمه يلقى الكثير من المكافئات، ويظهر لنا أيضًا أن البابوية كانت متحكمة بشكل كلي في العالم المسيحي، فقد دخل فردريك الثاني الحرب رغما عنه وهذا لم يكن بسبب مشاكل مع البابوية، بل بسبب اضطراب أحوال البلاد، وخوفه من الهزيمة من المسلمين، وهذا ما ظهر أثره عندما خرج للقتال فأنه فضل المهادنة وعقد اتفاقية سلام بدلًا من المحاربة مع الأيوبيين، وقد تم عقد صلح ينص على عودة بيت المقدس للصليبيين، ووقف القتال وعقد هدنة لمدة عشرة أعوام.

ختامًا

في الأخير يجب أن تعلم عزيزي القارئ أن الحروب الصليبية في الأساس خرجت بسبب التعصب الديني واسترداد الأراضي المقدسة من المسلمين، وذلك لأن المسيح عيسى عليه السلام قد ولد ببلاد الشام والتي أخذها المسلمون من أيديهم، ويتضح هذا من خلال الصليب ذو اللون الأحمر الذي رسم على أكتاف وصدور الفرسان، أما عن الدوافع الأخرى التي ذكرناها فهي دوافع ثانوية أتت لخدمة الدافع الأساس المذكور، وهذا ما ظهر أثره في الجرائم والمذابح التي ارتكبت بحق المسلمين الأبرياء بعد التسليم.

الكاتب: أحمد علي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

5 × 2 =

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقاقرأ أكثر