لماذا يحب الناس التدخل في شئون الآخرين رغم أنه أمر ممقوت؟

أسباب رغبة الكثيرين في التدخل في شئون الآخرين

التدخل في شئون الآخرين عادة مقيتة مارسها الإنسان منذ بداية نشأة المجتمعات واضطرارهم إلى التعايش المشترك سويا، حذرت منها الثقافات واستهجنتها الأديان والقيم والأعراف رغم ذلك لا ينفك الناس عن ممارستها، فما السر وراء ذلك؟

0

التدخل في شئون الآخرين من الأمور المقيتة جدا رغم ذلك نجد أنفسنا لا ننفك عن فعلها بأي صورة من الصور سواء عن طريق التسلط أو الوصاية أو النصيحة أو حتى المزاح والتهكم، ورغم ذلك نجد أنفسنا في أشد الانزعاج إن وجدنا من يتدخل في شئوننا الخاصة فلم هذا التناقض وكيف يمكن أن نفعل الشيء وضده في نفس الوقت ونحاول قدر الإمكان التدخل في شئون الآخرين؟ هذا ما سنتحدث عنه في هذا المقال:

الأمر ممتع ومسلي

التدخل في شئون الآخرين أمر ممتع ومسلي جدا لأقصى درجة، حيث تجد نفسك إن كنت من أصحاب الفراغ الكبير مستغرقا في مشكلات الآخرين ومشاهدتها تماما كما لو كنت تشاهد فيلما واقعيا يتحرك أمامك من لحم ودم، وتشاهد انفعالاته واختلاجات مشاعره، الأمر يبدو على نحو كبير من المتعة والتسلية وأنت تشاهد الانحناءات الدرامية للقصة وكيف تتعقد الأمور وتتشابك وما يميزها أنك أيضًا يمكنك التفاعل المباشر مع القصة بل وربما مد يدك كي تغير المجريات وهذا يكاد يكون الدافع الأكبر نحو التدخل في شئون الآخرين .

الاستمتاع بدور الخبير

التدخل في شئون الآخرين يعني أنك أذخر منهم تجربة وأثقل منهم خبرة وبالتالي حينما تتدخل في شئونهم فإنه يكون بدافع أن تغدق عليهم من حكمتك وتمطر عليهم وابل خبرتك وتستمتع وأنت تمارس دور الخبير بحيث تقضي في الأمور بصفتك شخص لديه كتالوج الحياة الأصلي ويمكنك أن ترى الأمور من المنظور الصحيح بينما الأشخاص الذين تتدخل في شئونهم عبارة عن أطفال مبتسرين لم يختلطوا بأمواج الحياة بعد ويحتاجون لأمثالك كي يعبر بهم العاصفة الخطرة ويقودهم إلى بر الأمان، ولعل لعب دور الربان هذا أكثر الأشياء الممتعة والتي تجعل الناس يحبون التدخل في شئون الآخرين ودس أنوفهم فيما لا يعنيهم.

إخضاع الآخرين للمنظومة

يصاب بعض الأشخاص بهستيريا عندما يرى نفر من الناس يحيلون أنفسهم إلى الاحتكام لأعراف خارج الأعراف المعتادة أو قياس الأمور بمقاييس لا تقرها المنظومة المجتمعية المتوارثة مما يجعلهم يتدخلون بشكل مباشر لضبط الأمور وإعادتها إلى مجراها الطبيعي حفاظا على الحق المقدس المزعوم للمجتمع لكي يشبه أفراده بعضهم البعض ولا يتصورون للحظة أنهم لديهم الحرية – حاشا لله – التصرف في شئون حياتهم وتصريف أمورهم بالطريقة التي يرونها هم صحيحة، لا يصح هذا أبدا، يجب أن يرضى عن طريقة إدارة حياتك المجتمع بأكمله على امتداده واتساعه، بالتالي نجد أن التدخل في شئون الآخرين هنا ليس خيارا، بل واجب من أفراد المجتمع بموجب السلطة التي تمنحها المنظومة الاجتماعية بإعادة أي شخص يحاول الخروج عن هذه المنظومة حتى إن لم يؤذِ أحدا إلى دفء القطيع.

الخوف من التغيير

مثلما كان التدخل في شئون الآخرين كما أسلفنا في الفقرة السابقة هو إخضاع الآخرين للمنظومة القيمية والأخلاقية للمجتمع والإعادة الجبرية بأي وسيلة إلى الأعراف المجتمعية مهما كان السلوك المتبع الخارج عن هذه المنظومة محمودا وغير ضار على الإطلاق بل ربما لو نظرنا له نظرة موضوعية لكان أقل ضررا من السلوك المقابل له في المنظومة أصلا وهو الخوف من التغيير وإخلال هذا الشخص بالمنظومة يعني إخلال بكيان واستقرار المجتمع وزعزعة ثوابته وهي تلك الأعراف والتقاليد والعادات التي اكتسبت صفة القداسة بلا أدنى داعي بالتالي هناك رعب من أي شخص يحاول خرق هذه المنظومة لأنه على المدى البعيد ممكن أن يفقد الفرد المحافظ على الأعراف المجتمعية أمانه الشخصي وطمأنينته إذا وجد أن هناك أفراد أيضًا يودون السيطرة على حياتهم والانفراد بالتصرف فيها وإدارتها بالشكل الذي يرونه هم صحيحا لا كما يراه المجتمع أو يقره العرف ويرتضيه كل صغير وكبير وكهل وطفل ورفيع ووضيع في المجتمع، إن الخوف من التغيير هو ما يدفع الناس لإعادة الأطراف الناشزة إلى المنظومة الاجتماعية مرة أخرى خوفا من فتح أعين باقي الأفراد على البراح بالخارج وبالتالي ما يحملهم على التدخل في شئون الآخرين وتعديل مسارها ولو عنوة.

الحقد على حرية الآخرين

سبب آخر من أسباب التدخل في شئون الآخرين النابع من إخضاع هؤلاء الآخرين إلى المنظومة القيمية والأخلاقية والسلوكية للمجتمع وهو الحقد على أن هناك من يمتلك الحرية للانفراد بشئونه والتصرف في حياته كما يحلو له ولا يخضع للابتزاز الجمعي أو الإرهاب الفكري الذي يمارسه عليه المجتمع مثله مثل غيره ولا يمتثل للسيف المسلط على رقبته بل يتصرف بحرية تامة وبتحرر شديد من كل هذه الأغلال التي يقيدها به المجتمع، بالتالي لا يصح أن نظل نحن كل هذه السنوات نعبد المنظومة المقدسة للمجتمع وتأتي أنت ببساطة لتتحرر منها بكل سهولة، بالتالي علينا أن نتدخل في شئونك ونصحح مسارك ونعيدك مرة أخرى شخص خاضع وممتثل ومستسلم مثلنا، لا فرق بينك وبيننا، حيث لا يصح أن نربط نحن وتتحرر أنت.

إثبات الإنسان لنفسه أن حياته أفضل

للأسف معظم الناس من حولنا لا يفهمون أن كل شخص يختار خياراته في الحياة حسب ظروفه الشخصية والأوضاع المحيطة به وحسب أولوياته ونفسيته ولا ينبغي أن أسلك نفس المسلك لأنك سلكته من قبل حيث أن شخصيتي تختلف عنك وما أفضله قد لا تفضله على الإطلاق ولكن لم ذلك؟ لابد أن نسلك جميعا نفس المسلك كما أن التدخل في شئون الآخرين يقضي بأنك شخص أقل مني فلو لم أجد أن حياتي أفضل منك وأريد بمنتهى حسن النية كما ترى أن أريك بأن حياتي أفضل وأنك تعيش في تعاسة مستديمة لأنك لا تتبع نفس مسلكي ولا تمشي على نهجي فبالتالي أنت لا تعرف شيئًا عن أصول الحياة وكيف يمكن أن نعيشها وبالتالي أنا آتي الآن كي أتدخل في شئونك وأعرض عليك كيف تتصرف في أمورك كي تتخلى عن تعاستك وتعيش الحياة مثلي لأنه كما تراني أفضل منك، هذا بالطبع ما يدور في ذهن كل شخص يتدخل في شئون غيره.

التفوق الأخلاقي والسلوكي والعملي

التدخل في شئون الآخرين يلزمه أيضًا معرفة أننا متفوق عنك أخلاقيا وسلوكيا وعمليا وفكريا ولولا ذلك ما وجدتك تفسد حياتك بنفسك وأجيء أنا كعمل خيّر كي أجعلك تضبط الأمور وتنجو بمعيشتك من الفشل الذي تغرق نفسك فيه، شعور الإنسان بالتفوق على غيره يدفعه إلى استعراض هذا التفوق والتعدي من إقناع نفسه إلى إقناع الآخرين والاستمتاع برؤية الآخرين وهم يستشعرون تفوقه أيضًا ويحسدونه عليه، ركز في تعاملات الناس مع بعضها في العمل وفي الحياة العادية، ركز على أقاربك وهم يتحدثون عن أنفسهم وأبنائهم، ركز على معارفك وزملائك وجيرانك، ستجد أن الجميع يسعى لإثبات هذا التفوق ولكن أسوأ تجلي لهذا الإثبات هو التدخل في شئون الآخرين ومحاولة إثبات هذا لهم عمليا.

تفريغ العقد النفسية وتعميم النقائص

نريد أن نقول أن التدخل في شئون الآخرين لا يخرج إلا من أشخاص مصابون بالعقد النفسية ويفتقرون للشعور بالإنجاز في حياتهم والإحساس بأهمية حياتهم واحتوائها على قيمة، ويرغبون في تعميم نقائصهم ودفع الناس للاهتمام بحياتهم بالسير على نهجها حتى إن كان هذا النهج يحتوي على مخالفات أخلاقية أو إنسانية مثل الكذب والغش والخداع والتزوير والتلاعب بمصالح الناس أو عدم مراعاة مشاعر الآخرين، تعميم النقائص هذه من أهم نتائجها هو أن يصبح الأمر غير الطبيعي هو الطبيعي وأن تسود لغة المصلحة على لغة القيمة وأن يعلو صوت الباطل فيلتبس على الناس ويظنونه الحق، لذلك افعل ما يمليه عليه ضميرك ويتوافق مع مبادئك ولا تخضع لابتزاز مجموعة من المرضى الذين يودون تفريغ عقدهم النفسية في شخصك.

التسلط والتحكم

إحدى أهم مميزات التدخل في شئون الآخرين هو إتاحة الفرصة لممارسة التسلط على غيرنا والتحكم في حياته خصوصًا لو وجدنا منه تراخيا ويفتح لنا الباب كي نتدخل في شئونه سنجد أنه بعد فترة قد اكتسبنا السلطة عليه وجاز لنا التحكم في حياته وكما نعرف فإن حب السلطة صفة أصيلة من صفات الإنسان ولا يفوّت أي فرصة لاستغلالها على أكمل وجه وما من شخص يستطيع مقاومة هذا الشعور الرائع بالفوقية مهما حدث وأن هناك أشخاص بالفعل تحت إمرته ورهن إشارته حتى إن كان هو في حقيقته ليس له أي قيمة أو أهمية على الإطلاق ولكن بسبب ضعف شخصية بعض الناس واعتماديتهم على الآخرين وعدم قدرتهم على اكتساب الثقة اللازمة لإدارة حياتهم بأنفسهم.

التدخل في شئون الآخرين مادة خصبة للحديث والثرثرة

من مميزات التدخل في شئون الآخرين أيضًا أننا سنجد شيئًا نثرثر عنه مع الندماء والأصدقاء في المقاهي والأندية التي تجمعنا ومادة ممتعة وجذابة في نفس الوقت فالحديث عن مشاكل الناس وخصوصياتهم تجذب الكثيرين وتمتعهم وتسليهم ولا ينبغي أن يغامر أحدهم بالحديث عن حياته وخصوصياته من أجل جلب المتعة أو استحضار التسلية فلماذا قد يحدث هذا وهناك الأشخاص الذين نتدخل في شئونهم كي نتحدث عنهم إذن؟

الاطلاع على أسرار الناس وكشف خصوصياتهم

إحدى مكتسبات التدخل في شئون الآخرين أيضًا هو الاطلاع على أسرار الناس وكشف خصوصياتهم وبما إن الإنسان كائن فضولي بطبعه فيرغب في معرفة ما يدور خلف الأبواب المغلقة وما يكمن خلف الجدران الصماء وما تداريه الأفواه المضمومة وما تنطق به نظرات العين الموحية، يريد أن يعرف الأشخاص الذين يمشون متلاصقين هل على وفاق أم لا؟ هل الوجوم الذي ينتاب شخص طبيعي أم وراءه سر؟ الاطلاع على أسرار الناس وخصوصياتهم هذا ممتع جدا بالطبع ودافع قوي للتدخل في شئون الناس.

الوجاهة الاجتماعية

طبعا التدخل في شئون الآخرين يعني أنك تستدعي لنفسك الوجاهة الاجتماعية وسط الأشخاص المعنيين بذلك، فلعب دور الخبير والوصي وعميد الأماكن كلها يعني رفعتك الاجتماعية وكلمتك السارية على عائلتك أو مجموعتك أو منطقتك أو مكان عملك أو أيا يكن الأشخاص الذين تتدخل في شئونهم وتعطي لنفسك الحق بتوجيههم نحو الطريقة التي يسيّرون بها حياتهم، بالتالي ما تستلزمه الوجاهة الاجتماعية من دس أنوفنا في شئونهم يمكن أن نقوم به في مقابل ذلك، بالطبع أن تكون شخصا مسموع الكلمة وتتدخل في شئون وخصوصيات الآخرين يمنحك مهابة ووجاهة.

خاتمة

يجب علينا قبل أن ننصح الناس بعدم التدخل في شئون الآخرين لأن يبدو أن هذا لا مفر منه ولا ملجأ أن ننصح الناس بعدم الخضوع للابتزاز العاطفي والجمعي وعدم السماح لأي شخص بالتدخل في شئوننا لأنه لن يحك جلدك أبدا مثل ظفرك ولن يعرف ظروفك مثلك ولن يكون هناك شخص أدرى بحياتك وأكثر إدراكا لمجرياتها مثل درايتك أنت بها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

10 − عشرة =

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقاقرأ أكثر