لماذا ارتفعت أسعار الأضاحي بصورة كبيرة هذا العام؟

سر ارتفاع أسعار الأضاحي بنسب كبيرة بهذا الموسم

شهدت أسعار الأضاحي بالعديد من الدول العربية ارتفاعاً مبالغاً في التقديرات مقارنة بالسنوات الخمس الماضية .. ترى لماذا ؟ وما هي العوامل التي أدت إلى ذلك ؟

0

شهدت أسعار الأضاحي هذا العام ارتفاعاً كبيراً في تقديرات الأسعار في أغلب الدول العربية، وخاصة مجموعة الدول النامية أو التي تعاني من تردي الأوضاع الاقتصادية، حتى أن عدد كبير من التقارير الصحفية والإحصائيات الرسمية قد رصدت تراجعاً ملحوظاً في حركة البيع والشراء، وأقرت بعجز شريحة كبيرة من المواطنين عن شراء أضحية العيد هذا العام، بل والأدهى من ذلك أن البعض يعجز عن شراء اللحوم المذبوحة المباعة بالتجزئة. فترى لماذا ؟ وما الأسباب التي قادت إلى ارتفاع أسعار الأضاحي إلى هذا الحد؟

أسباب ارتفاع أسعار الأضاحي لهذا العام:

أصبحت أسعار الأضاحي هي حديث الساعة بين المواطنين بسبب الارتفاع الكبير في تقديراتها هذا العام، الأمر الذي استدعى بعض المحللين للوقوف أمام تلك الظاهرة لتحديد العوامل التي أدت إليها، وقد توصلوا لعدة أسباب أبرزها الآتي:

قلة الثروة الحيوانية

بدأت أسعار الأضاحي في الارتفاع قبل عدة سنوات وتم ذلك بشكل تدريجي قبل أن تصل حالة الغلاء إلى ذروتها هذا العام، يمكن إرجاع ذلك إلى عوامل عديدة لكن يأتي في مقدمتها تراجع الثروة الحيوانية، حيث أن العديد من الدول العربية اهتمت بالقطاع الاستثماري على حساب القطاع الزراعي، مما أدى إلى ضعف الإنتاج الحيواني ولم تعد أعداد رؤوس الماشية التي يتم إنتاجها سنوياً تكفي الاستهلاك المحلي.

ضعف الثروة الحيوانية ساهم في رفع أسعار الأضاحي بطريقتين مختلفتين، الأولى هي ارتفاع قيمة اللحوم المحلية أو ما يُعرف بمسمى “اللحوم البلدي” بسبب عدم التكافؤ بين الكم المعروض وحجم الطلب، أما الطريقة الثانية تتمثل في لجوء هذه الدول إلى استيراد المواشي واللحوم المجمدة من الدول الأخرى بهدف سد النقص وتلبية احتياجات السوق المحلي.

انخفاض سعر العملة المحلية

ساهم انخفاض قيمة صرف بعض العملات المحلية في ارتفاع أسعار الأضاحي بل وكذلك ارتفاع أسعار اللحوم المجمدة، السر في ذلك يرجع إلى اعتماد العديد من الدول العربية على الاستيراد من أجل سد عجز السوق المحلي، خاصة في الفترة التي تسبق عيد الأضحى المبارك التي تزداد خلالها معدلات الإقبال على شراء الأبقار والأغنام إلى الحد الأقصى.

يمكن اعتبار مصر هي أبرز الأمثلة على ذلك، حيث أن انخفضت قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار الأمريكي بشكل ملحوظ بعد اتخاذ الحكومة قرار تعويم الجنيه؛ حيث أصبح الجنيه المصري الواحد يساوي 18 دولار أمريكي تقريباً، مما أدى إلى مضاعفة أسعار البيع للمستهلك المصري رغم ثبات الأسعار العالمية بشكل نسبي.

يذكر هنا أن انهيار العملة المحلية أدى إلى المغالاة في تقدير كافة الخدمات المقدمة من المرافق العامة مثل تعريفة المياه والكهرباء وغير ذلك، هذا بخلاف ارتفاع قيمة الرسوم الجمركية المفروضة على البضائع المستورة، وقد أدى كل ذلك في النهاية إلى زيادة أسعار البيع للمستهلك بصورة غير مسبوقة.

ارتفاع أسعار الأعلاف

دافع التجار عن موقفهم وربطوا ارتفاع أسعار الأضاحي بالارتفاع الكبير في تكاليف رعايتها، حيث أقروا بأن تكلفة تربية وتسمين الماشية والأغنام قد زادت بصورة كبيرة عن الأعوام الماضية، مثال ذلك المغالاة غير المبررة في تقدير أسعار الأعلاف والبرسيم وغير ذلك من المواد التي تتغذى عليها الماشية والأغنام.

ارتفاع سعر الخدمات الإضافية  

عملية وصول المنتج النهائي متمثلاً في رأس الماشية الحية “الأضحية” أو اللحوم المذبوحة سواء طازجة أو حية تتسم بقدر من التعقيد، كما أنها ترتبط بعدد كبير من المجالات أو الخدمات الأخرى، ويمكن اعتبار ذلك أيضاً من العوامل التي أدت إلى ارتفاع أسعار الأضاحي على اختلاف أنواعها هذا العام.

مثال ذلك الارتفاع الكبير في أسعار الأعلاف والبرسيم، وكذلك ارتفاع تكاليف شحن المواشي من الدول المصدرة إلى الدول المحلية أو شحنها من المزارع في المناطق الريفية إلى الأسواق الأخرى في المدن والحضر، هذا بخلاف ارتفاع أجور العمال القائمين على رعاية الأغنام والماشية وزيادة قيمة رسوم الكشف البيطري عليها وغير ذلك من المصروفات الأخرى التي أدت إلى ارتفاع أسعار الأضاحي في النهاية.

حظر استيراد اللحوم من بعض الدول

ذكرنا سابقاً أن أحد الأسباب التي قادت إلى الارتفاع النسبي في أسعار الأضاحي ذلك العام هو انخفاض كم المعروض مقارنة بحجم الطلب، وأحد أبرز الأسباب التي أدت إلى ذلك هو أن بعض الدول -ومنها بعض الدول العربية– قد أصدرت قرارات في الآونة الأخيرة بحظر تداول اللحوم من دول معينة أبرزها البرازيل.

تداول مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة العديد من الأخبار حول قيام حكومة دولة البرازيل بتقديم أكثر من ثلاثين مسؤول للمحاكمة بتهمة تصدير لحوم غير صالحة للاستهلاك لعدد من الدول، الأمر الذي أثار مخاوف العديد من الدول المستوردة ومن ثم أصدرت قراراً رسمياً بمنع إدخال أي شحنة لحوم قادمة من البرازيل والتي تعد واحدة من أبرز الدول المصدرة للحوم، وبطبيعة الحال أثرت القرارات من هذا النوع على حجم المعروض في الأسواق وهو ما أدى مباشرة إلى رفع قيمة الأسعار.

يذكر هنا أن البرازيل لم تكن الدولة الوحيدة التي تم حظر استيراد اللحوم منها، كما أن أسباب الحظر لم تكن دائماً بسبب التشكك في صلاحية اللحوم، فبعض الدول منعت استيراد اللحوم من دول أخرى لأسباب سياسية أدت إلى إيقاف التعاون التجاري معها بشكل عام.

غياب الرقابة الحكومية

ساهم كل ما سلف ذكره -وغير ذلك من العوامل- في رفع أسعار الأضاحي خلال العام الجاري، إلا أن المحللون قد رأوا أن كل ذلك لا يساوي حجم الزيادة في الأسعار التي تتسم بقدر كبير من المبالغة، ويحمل هؤلاء المسؤولية لمجموعة الجهات الرقابية والحكومية المعنية بالسيطرة على الأسواق ومراقبة حركة الأسعار.

أقر عدد كبير من الاقتصاديين بأن بعض الأجهزة الرقابية في أغلب الدول العربية ضعيفة وتعجز عن ضبط الأسواق، ومن ثم فإنها تترك المستهلك فريسة لجشع تجار الماشية واللحوم، خاصة خلال فترات المواسم وأبرزها بالتأكيد عيد الأضحى المبارك؛ حيث أن كل منهم يحدد القيمة السعرية لبضائعه بحرية شبه مطلقة، وبناء على ذلك فإن هؤلاء يطالبون بضرورة إقرار ولوائح تفرض على التجار التحرك ضمن نطاق محدد مع وضع عقوبات رادعة للمخالفين.

الدليل الأبرز على غياب الرقابة الحكومية هو أن أسعار الأضاحي وخاصة أسعار الخراف ليست ثابتة، وقد يختلف سعر الكيلو جرام للخروف من نفس النوع من جزار لآخر في نفس المنطقة الجغرافية، بل والأدهى من ذلك بعض الجزارين يقومون بتغيير أسعار البيع أكثر من مرة خلال الموسم الواحد تبعاً لحركة البيع، حيث أن أسعار بيع الأضاحي ترتفع كلما اقتربنا من يوم وقفة عرفات.

خاتمة

لا يمكن تحديد سبب بعينه لارتفاع أسعار الأضاحي بصورة مبالغة خلال الأعوام الماضية، حيث أن الأمر ناتج عن تضافر العديد من المُسببات معاً، لكن الأمر هذا العام تجاوز حدود المعقول والمقبول وفقاً لما يؤكده المستهلكين وخبراء الاقتصاد على السواء، وهناك شبه توافق على أن الأمر يستدعي وقفة من الحكومات لضبط هذه العملية التجارية وحماية المستهلك من جشع التجار، بالإضافة إلى ضرورة اتخاذ خطوات جادة نحو تنمية الثروة الحيوانية للدرجة التي تحقق الاكتفاء الذاتي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

4 × 5 =