لماذا يتم محاربة الفنانين أبناء الفنانين في معظم الحالات؟

أسباب عدم تقبل الكثيرين لتوريث مهنة الفن للأبناء

أبناء الفنانين هم الأشخاص الذين يعملون في الوسط الفني بينما يعمل كذلك آبائهم في نفس المجال، وهؤلاء غالبًا ما يتم محاربتهم من الآخرين، فلماذا يا تُرى؟ وما الذي يجعل هذا الانحياز ضد أبناء الفنانين منطقيًا؟

0

مما لا شك فيه أن مجال الفن يعج بحالات الوساطة والمجاملة، لذلك نجد أن أغلب أبناء الفنانين يعملون فيما بعد بمجال الفن أيضًا، حيثُ يتضح أنهم يدخلون المجال من الباب الكبير ولا يجدون أي صعوبة في دخوله مثلما هو الحال مع الأشخاص العاديين الذين يُعانون أشد المعاناة من أجل الحصول على الفرصة، فالفرصة في عالم الفن أشبه بالمعجزة الصغيرة التي ربما لا تتكرر في العمر سوى مرة واحدة، فبالتأكيد ثمة ممثلين أفضل بكثير من أولئك الذين يتواجدون على الساحة حاليًا، لكنهم فقط لا يجدون فرصتهم الكاملة مثلما يجدها أبناء الفنانين الذين يكون الأمر بالنسبة لهم أشبه بالمضمون، فربما يتم التنبؤ لهم بأنهم سيصبحون ممثلين منذ سن السادسة مثلًا، وطبعًا علاقات الآباء يكون لها مفعول السحر في تحقيق هذا الهدف، عمومًا، في السطور القليلة المُقبلة سوف نتعرف سويًا على إجابة السؤال الشائع حول أسباب محاربة الفنانين أبناء الفنانين، وطبعًا السبب الأول الذي لا خلاف عليه هو وصولهم السريع دون أي مُعاناة.

وصولهم السريع دون وجود أي مُعاناة

الناس غالبًا ما يُحبون الآخرين الذين يُشبهونهم، الذين هم على الأقل قد حظوا بنفس الفرصة التي حظوا بها، لا أكثر ولا أقل، بمعنى أنك إذ لم تعش نفس معاناتهم وتكافح حتى تصل مثلهم فسوف يبدون في الامتعاض منك، وربما تجنبك والابتعاد عنك، وهذا ما حدث بالضبط في موضوع أبناء الفنانين هذا، فالطفل منذ الصغر يتم تحديد مصيره بأنه سوف يُصبح فنانًا في يومٍ من الأيام، هكذا بلا أي مُقدمات أو وجود موهبة أو أي شيء من شأنه أن يجعلهم مؤهلين لهذه الفرصة، ثم بعد ذلك يكبرون فعلًا ويحصلون على الفرصة دون أدنى صعوبة، في حين أننا على الجانب الآخر نجد معاناة الأشخاص العاديين في الوصول إلى نصف هذه الفرصة في عالم الفن، وهذا ما يقتل الناس قتلًا.

غالبًا ما يصطحب الفنانين أبنائهم إلى أماكن التصوير، وهناك يُدخلونهم في اللعبة شيئًا فشيئًا، وإن كان ثمة دور طفولي في الفيلم يتم إسناده لهم دون أي تفكير، وطبعًا كل هذا يؤكد فكرة الوصول السريع التي نتحدث عنها، وكل هذا أيضًا يتم أمام الناس، وتعرف به الصحافة وتقوم بإشهاره، ولهذا، وبصورة طبيعية جدًا، تبدأ محاربة هؤلاء الفنانين أبناء الفنانين عندما يكبروا، ويُحكم على أعمالهم بالفشل ربما قبل أن يتم عرضها.

افتقار أغلبهم للموهبة التي تؤهلهم لهذه المكانة

الممثل شخص موهوب بعينه، وهناك قاعدة تتعلق بالموهبة بشكلٍ عام، تلك القاعدة تقول أن الموهبة لا تدخل في الجينات الوراثية غالبًا، فعندما تمتلك موهبة ما فمن الصعب جدًا أن يُولد طفلك وهو يحمل تلك الموهبة، على العكس تمامًا إذا ما كنت تمتلك مرضًا أو علامة جسدية معينة، فإن نسبة الإصابة بهذا الأمر تكون مرتفعة جدًا، فقط لأنه يدخل ضمن الجينات، لذلك فإن المحاربون لأبناء الفنانين يقولون أن ذلك الفنان يُقحم ابنه أو ابنته في لعبة ليس له أي وجود فعلي فيها لأنه لا يمتلك الموهبة مثله، ويستدلون على ذلك بقاعدة عدم دخول الموهبة ضمن الجينات الوراثية المُنتقلة من الوالد إلى الابن، وطبعًا هذه قاعدة تدخل ضمن القواعد التي تحتوي على شواذ وأمور خاصة لا تُقاس عليها.

بعض أبناء الفنانين يكونون فعلًا عديمي الموهبة ويعملون في الفن بصورة طبيعية، بينما على الجانب الآخر نجد أن البعض قد يمتلك موهبة تفوق بكثير تلك التي يمتلكها والده، لكنه أمر شبه نادر، وإذا مثلناه في الفنانين المصريين فسنجد أن فنان مثل أحمد الفيشاوي قد تفوق بشهادة النقاد على والده فاروق الفيشاوي، بينما نجد أن محمد عادل إمام نجل الفنان عادل إمام لا يمتلك واحد بالمئة من موهبة والده، وهنا يُمكن أن تُقاس القاعدة على آخرين كُثر.

حصولهم على فرصة أشخاص آخرين أكثر استحقاقًا

أكثر ما يُضايق الناس ويؤلمهم أن يحصل على الفرصة شخص آخر بخلاف الذي يستحقها، فهناك الآلاف من الممثلين الموهوبين بحق، والذين يقضون حياتهم كاملة في المسارح المغمورة أو الأماكن التي لا يأخذون فيها وضعهم الذي يستحقونه، ثم يمر الوقت دون أي جديد وتحل النهاية السوداوية بالنسبة لهم، هكذا تنقضي حياتهم ببساطة، والسبب في ذلك، بعد إرادة الله بكل تأكيد، أن أشخاص آخرين لا يتمتعون بأي موهبة قد حصلوا على مكانتهم لأنهم أبناء الفنانين المشاهير، هذه هي حسنتهم الوحيدة التي جعلتهم مؤهلين لكي يكونوا في مكانة يتفق الجميع أنهم لا يستحقونها!

بالرغم من ظلم العالم وانتشار مفاهيم مثل الاستغلال والسعي الدائم للفوز إلا أن فكرة الحصول على شيء دون تعب تظل من الأفكار التي تُتعب البشر بشدة، حيث أنه من الممكن جدًا أن تقتل شخص لكن دون أن تسلب منه شيء يستحقه ولا تستحقه أنت في نفس الوقت، وهذا كما اتفقنا يحدث بصيغة أكثر انتشارًا مع أبناء الفنانين، ولهذا نرى أن كرههم والسعي لمحاربتهم أحد أهم الثوابت في هذا العالم، أو يُمكننا القول بمعنى أدق أنها ظاهرة تستحق الدراسة وتسليط الأضواء عليها.

حب الناس للبطل الذي خرج منهم ويُشبههم

في السنوات الأخيرة رأى الجميع أن نجوم جدد صغار قد سيطروا على الساحة الفنية في الوطن العربي ومصر بشكل خاص، ومن هؤلاء مثلًا النجم محمد رمضان، والسؤال الآن، هل تعرفون لماذا اكتسب رمضان كل هذه الشهرة؟ الإجابة ببساطة لأن الناس قد رأوا فيه شخص منهم ويُشبههم ويتحدث عنهم، ولذلك أصبح بطلهم فعلًا وأكنوا له الحب الشديد حتى أصبح الآن رقم واحد من حيث الجماهيرية وتحقيق أفلامه للإيرادات الكبيرة، وهذا ما لن يكون موجودًا بالمرة في أبناء الفنانين الذين ينظر لهم الجميع على أنهم أشخاص مُرفهين عاشوا حياة جيدة ولا يشعرون بمعاناة بقية الأشخاص العاديين الذين يُمثلون بالطبع الغالبية العظمى من المشاهدين، وهنا يتفاقم الكره وتزيد حِدة الحرب على مثل هؤلاء.

محاربة أبناء الفنانين أصبحت تبدأ من المشاهد العادي البسيط الذي لا دخل له في أي شيء سوى ما يشاهده على التلفاز ويُريد الاستمتاع به، ففور رؤيته لنجم معروف أنه ابن نجم آخر فإنه سرعان ما ينفر من هذه القناة ويُجزم أن ذلك النجم إما يُقلد والده أو أنه قد دخل ذلك المجال بسبب وجود والده فيه، وفي كلتا الحالتين هو ليس منهم ولا يُشبههم، هم لا يريدونه ولا يعترفون به، ولذلك عندما تكون الفرصة سامحة فسوف يُحاربونه.

تسليط الأضواء على أبناء الفنانين منذ الصغر

في الغالب، عندما يُريد أي شخص الدخول إلى عالم التمثيل وشق طريقه نحو النجومية فإنه يكون عازمًا على تحقيق بعض الأمور، أهمها أن يحصل على الأموال والشهرة، هذا هو حلم الفنان الشعبي الذي خرج من الناس، وهذا ما ينجح بالضبط في كسب حب الآخرين، حيث ستبدأ بعد ذلك رحلة في عالم الأضواء والشهرة، تلك الرحلة مصحوبة بقصة كفاح مُلهمة هي لُب ما يُريد الناس سماعه من بطلهم الذي يحبونهم، أما أبناء الفنانين فالوضع بالنسبة لهم يكون مُختلف تمامًا، حيث أنهم يولدون أصلًا مشهورين بسبب آبائهم، تُسلط الأضواء عليهم منذ الصغر ويحظون بكل القدر الذي يُريدونه من الشهرة، هذا أصلًا قبل أن يقوموا بتأدية مشهد تمثيلي واحد، وهذه هي المشكلة بلا شك.

تسليط الأضواء على أبناء الفنانين منذ صغرهم يعني أمرين هامين، الأول أنهم لن يكونوا في حاجة إلى هذه الأضواء عند كبرهم، بمعنى أدق، سيتشبعون منها تمامًا، والأمر الثاني أن الناس سوف ترى أن استمرارهم في شهرتهم ميزة لا يستحقونها، وبالتالي سوف يبدؤون في عدم تقبلهم، ثم بعد ذلك ستطور الأمور إلى كره وربما تنتهي بالمحاربة الفنية المُتمثلة في تشويه أعمالهم، هذا كله حدث بسبب تسليط الأضواء عليهم منذ صغرهم.

تسخير الوسط الفني بكامله لهم

في حالة إذا ما كان أبناء الفنانين الذين نتحدث عنهم أبناء لفنانين مشاهير وعظماء مثل عادل إمام في مصر مثلًا فإن الكارثة سوف تبدو مضاعفة، بحيث أن الوسط الفني بأكمله سوف يتسخر من أجل خدمتهم، ونحن هنا نتحدث عن جميع عناصر اللعبة، بدايةً من المنتج، والذي سيبدأ إلى ابن الفنان ويوقع معه للانضمام إلى فيلم فقط من أجل كسب رضا والده، أو ربما من أجل ضمان قبول والده بالمشاركة هو الآخر، وربما يكون توقيع الابن سببًا في تخفيض الأجر الذي سيتقاضاه الفنان الكبير، لذلك فالأمر بكل تأكيد يستحق المحاولة، وكذلك المُخرج يكون مُساهمًا بشدة في هذه العملية الذي تستهدف إرضاء النجم الكبير في نهاية المطاف، فقد يقوم بضم ابنه إلى فريق تمثيل عمل ما من أجل نيل رضاه وقبول العمل معه في الأعمال القادمة له، هكذا يتم الوضع غالبًا، وبالتأكيد تكون بقية أطراف اللعبة حاضرة مثل الممثلين والإعلاميين وكل من لهم علاقة بالوسط الفني، الجميع سوف يجتهد من أجل خدمة ابن نجمهم الطامحين في رضاه.

الكُره العام لمبدأ التوريث

في هذا العالم ثمة كره مُطلق لبعض الأفكار والمُعتقدات، هذا الكره يتحول مع الوقت إلى رفض تام ثم يأخذ بعد ذلك مُنحنى آخر هام، وهو المحاربة، أجل، كُرهك للشيء قد يدفعك إلى محاربته، هذا أمر لا يُمكن لأحد الاختلاف عليه بالتأكيد، والحقيقة أن البعض، بل الكثيرون في واقع الأمر، يكرهون مبدأ التوريث ويُحاربون جاهدين من أجل منعه، ولذلك فهم يرفضون تمامًا فكرة أن يكون أبناء الفنانين فنانين فقط لمجرد أنهم خرجوا فوجدوا آبائهم يعملون في هذه المهنة، تمامًا كما يكرهون أن يكون أبناء الشرطيين شرطيين وأبناء القضاة قضاة، وهكذا في كل مهنة يُشتم فيها رائحة التوريث، وصدقوا أو لا تُصدقوا، حتى لو وصل الشخص إلى المنصب بجهده فسيتم محاربته أيضًا فقط لأن والده يعمل في نفس المنصب.

في عام 2011 خرج جمع كبير من المصريين وقاموا بثورة مجيدة عزلوا فيها الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك بعد أن تحملوه صامتين لأكثر من ثلاثين عام، كانوا راضين بالأمر الواقع إلى أبعد حد، لكن عندما ألمح الرئيس إلى رغبته في تعيين نجله رئيسًا عن طريق التوريث ثار الجميع عليه، هل تعرفون لماذا؟ ليس لشيء سوى أن طبيعة البشر تكره مبدأ التوريث وتُحارب كل من يُنادي به، وهذا ما يتسبب بالتبعية في محاربة أبناء الفنانين ومحاولة إقصائهم من المجال الفني، هل يستحقون الإقصاء أم لا؟ في الحقيقة لا تهم إجابة هذا السؤال ما دام الأمر يتعلق بالتوريث.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

18 − خمسة عشر =