الرئيسية الفن لماذا حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل للآداب؟

لماذا حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل للآداب؟

0

يُعتبر نجيب محفوظ أعظم روائي عربي على الإطلاق نظرًا لما قدّمه من روايات أسهمت بشكل كبير في تغيير الخريطة الروائية، لكن ليس هذا فقط ما ميز محفوظ، بل نيله لجائزة نوبل التي كانت ولا تزال تُعتبر أفضل جائزة تُمنح للآخرين على مستوى العالم مهما كان المجال الذي تُمنح به، فقد كتب قبل محفوظ الكثير من العرب، وبعده كتب أضعاف مضعفة، بل تقول الإحصائيات أن هناك الآن ما يزيد عن عشرة آلاف كاتب روائي في الوطن العربي، وعلى الرغم من ذلك لا يزال محفوظ محتفظًا بإنجازه ككونه العربي الوحيد الحاصل على الجائزة، وربما هذا ما يُثير دهشة الكثيرين، وخاصةً أولئك الذين لم يُعاصروا محفوظ وسمعوا عنه أمور مدهشة كثيرة مثل قضائه لأكثر من نصف يومه على المقهى وعدم امتلاكه للكثير من الأمور بالرغم من الكتب والأفلام الكثيرة التي كتبها، فلماذا يا تُرى حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل للآداب؟ هذا هو السؤال الذي سنحاول الإجابة عليه سويًا في السطور القليلة المقبلة.

كان قريبًا من الناس ويكتب عنهم

طبعًا من المعروف عن روايات نجيب محفوظ أنها مأخوذة من الناس وتتحدث عنهم، بمعنى أدق، لم يكن محفوظ يجلس على مكتبه في البيت ويحتسي القهوة بينما يكتب رواياته، بل كان يحرص طوال الوقت على أن يكون متواجدًا في الشارع حاملًا أوراقه وأقلامه متربصًا لأي شخصية جديدة تخطف انتباهه، كان يُحدث الناس، وأفضل حكاء على الإطلاق هو رجل الشارع البسيط، حيث كان محفوظ يقول دائمًا أنه يستلهم كل أفكاره من الناس، سوء من حديثهم أو وجوههم التي يظهر عليها جليًا الفقر والهم، وبمناسبة الفقر، كان محفوظ دائمًا ما يجعل أبطاله فقراء مُعدمين مثلما هو حال الناس تمامًا في المكان الذي يعيش به، كان صادقًا جدًا وأمينًا فيما يكتبه عنهم.

قرب محفوظ من البشر فتح له باب إبداع حقيقي، فكما ذكرنا، أصبح لديه تواصل أكبر بهم وبالتالي عرف كل شيء عنهم ثم أخرجه في الروايات، بعد ذلك، وعندما يُريد هؤلاء القراءة فإنهم بالتأكيد سوف يبحثون عن الشخص الذي يكتب عنهم، يبحثون عن الكتابة التي تُشبههم، وهذا ما كانوا يجدونه في كتابة محفوظ، وهذا ما صعد به درجة على سلم نوبل.

امتازت رواياته بالحياة النابضة

إذا قمنا بحذف اسم نجيب محفوظ من على رواية وقدمناها للقارئ مُجردة دون أي أسماء فإنه في النهاية سيتمكن بسهولة من التوصل إلى أن كاتبها هو نجيب محفوظ، فقد كانت كتابات هذا الرجل تدب بالحياة بكل ما تعنيه الكلمة من معانٍ، كان بإمكانك أن تفتحها فتجد الناس حرفيًا وهم يعيشون حياتهم، يأكلون ويشربون، يذهبون ويجيئون، كان كل شيء موجود وكأنه فيلم سينمائي وليس مجرد رواية عبارة عن كلمات، كان بإمكان محفوظ في الحقيقة أن يجعل من الكلمات كائن حي، وهو أمر لم يكن يفعله أي كاتب مُعاصر آخر، ولهذا كان محفوظ الأحق بين الجميع بتلك الجائزة العالمية التي لم يستطع كاتب عربي آخر الوصول إليها، وهل يُمكن لأحد تجاوز موهبة محفوظ وقدرته في الكتابة؟

أكبر مثال على كون روايات محفوظ مُفعمة بالحياة ثلاثية الحرافيش، تلك الثُلاثية التي يُقال إنها كانت السبب الرئيسي في حصوله على جائزة نوبل، فقد كانت أشبه بحياة كاملة لعائلة بطل الرواية، كان بإمكان جميع القراء مشاهدة عائلة الناجي وهي تقضي مئة عام كاملة داخل هذه الرواية، لن يكون بإمكان أي قارئ المرور بهذه الثلاثية دون أن يعيش فعلًا تلك السنوات المئة بكافة تفاصيلها، ألم نقل لكم أنها كانت حياة وليست مجرد مجموعة من الروايات!

تفوق نجيب محفوظ على جميع أبناء جيله

من الطبيعي جدًا أنه عندما يفوز شخص مُعين بشيء ما أن يكون ذلك نابعًا من كونه الأفضل على الإطلاق بين جميع أبناء جيله، وإذا طبقنا هذا الأمر على جائزة نوبل للآداب فيُمكننا القول أنه في تلك الفترة التي فاز بها نجيب محفوظ بجائزة نوبل لم يكن هناك أي كاتب آخر على قيد الحياة أفضل منه، كان استثنائيًا مُتفردًا، وكان من البديهي أن يعترف أغلب الكتاب الذين عاصروه بذلك التفوق، فلم يمتلك كاتب الجرأة على أن يخرج ويقول أنه كان أفضل من محفوظ وكان يستحق هذه الجائزة أكثر منه، بل كان ثمة شبه تسليم بالأمر، وربما يعتقد البعض أن هذا يدل على النفوس الصافية لهؤلاء الكتاب المُعاصرين، إلا أنه في الحقيقة مجرد لا غنى عنه، فهل يستطيع أحد حجب ضوء الشمس؟ وكذلك محفوظ.

عندما فاز نجيب محفوظ بالجائزة انهالت عليه المباركات من كل كتاب العالم تقريبًا، نُشرت آلاف المقالات التي تؤيد اختيارات الجائزة وتصفها بالمنصفة قدر الكفاية، وربما هذا أمر لا يحدث مع كافة الفائزين في كل عام، فتقريبًا في كل مرة يتواجد من يُبدي اعتراضًا على الاسم الفائز ويقترح أسماء أخرى كانت أحق، لكن في السنة التي فاز فيها محفوظ لم يكن ذلك الأمر موجودًا، وهو ما يؤكد مسألة التفوق التي نتحدث عنها.

التجديد في فن الرواية العربية والعالمية

الرواية كما نعرف جميعًا فن من فنون الكتابة، امتلاك الموهبة فقط لا يعني أبدًا أنك قد أصبحت كاتبًا، وإلا لكان عدد كبير من البشر كتاب، لكن تلك الموهبة يجب أن تُنمى وتكبُر حتى تُصبح فارقة بحق، وهذا ما ستجده في روايات نجيب محفوظ، فلو أمسكت بأغلب الروايات التي كانت على الساحة قبل ظهور هذا الرجل وبدايته في الكتابة فستجد أنها تقريبًا مُنتمية لمدارس مُعينة ومعروفة منذ زمن، لا أحد يحيد عن هذه المدارس، وكل الأعمال الجديدة التي كانت تظهر في هذه الفترة كانت تُصنف بصورة تلقائية ضمن مجموعة المدارس هذه، لكن محفوظ عندما ظهر جلب معه مدرسة جديدة أصبحت الآن المدرسة الرسمية لأغلب الكتاب المتواجدين على الساحة في الوقت الراهن، وطبعًا لا عيب أبدًا في ذلك، فإذا لم يقتدوا بمدرسة محفوظ في الكتابة بمن سيقتدون إذًا؟

مدرسة محفوظ المُبتكرة كانت تعتمد في المقام الأول على الأشخاص، لا أحد يُمكنه خلق شخصيات بنفس البراعة التي يخلق بها محفوظ شخصياته، كانت كما ذكرنا قبل قليل شخصيات حقيقية إلى أبعد حد ممكن، ولذلك كان القارئ لا يأخذ وقتًا طويلًا حتى يستوعبها ويتعايش معها، وبنفس المثال الذي ذكرناه نقول مرة أخرى أنك إذا حذفت اسم محفوظ من على أي رواية وقدمته للقارئ فسوف يكون من السهل جدًا معرفة كونها من إبداع أديب نوبل نجيب محفوظ.

قضاء أكثر من ثلاثة أرباع يومه في الكتابة

الكاتب مثل السمكة، والكتابة مثل البحر، إذا أخرجت السمكة من البحر فالنتيجة التي يجب انتظارها هي موت هذه السمكة، وهذا ما حدث بالضبط مع نجيب محفوظ وجعله يصل في النهاية إلى جائزة نوبل كأول وآخر عربي يحصل عليها حتى الآن، فقد اعتاد محفوظ على الاستيقاظ مبكرًا كل صباح ثم الذهاب للجلوس على أحد مقاهي الجمالية بالقاهرة، وهناك كل ما يلزم محفوظ حفنة أوراق وقلم لكي ينطلق في الكتابة إلى ما يشاء الله، وكان عادةً ما يقضي النار بطوله في هذه الجلسة، وتخيلوا أن شخصًا يقضي أكثر من ثلاثة أرباع عمره في الكتابة، ما الذي ستتوقعونه يا تُرى منه؟ ما الذي تنتظرونه من سمكة لم تُغادر أبدًا البحر الذي وُلدت به؟

التزام محفوظ بالكتابة لوقت طويل كلفه في البداية بعض الخسائر، فقد خسر وظائفه لعدم قدرته على الالتزام بها وخسر بعض الأصدقاء بسبب عدم التمكن من رؤيتهم وزيارتهم، حتى أنه في مرحلة من المراحل كان كل من يُريد محفوظ يذهب إلى المقهى التي يجلس بها ويعرض عليه طلبه أو يطلب منه خدمته، كانت المقاهي المكاتب الخاصة به وصالة استقبال الضيوف، لكنها في المقام الأول كانت المكان المُلهم الأهم في حياته، المكان الذي أخذ بيده إلى جائزة نوبل.

تشكيل وعي الشباب المصري والعربي

أهم سلعة يُمكن أن يبيعها أي شخص ويفخر بوعيها هي الوعي، فالوعي يا سادة يضمن لنا حياة كريمة، يضمن لنا معرفة ما حدث وما يحدث وما سيحدث، وهذا ليس تنبأ بالغيب بقدر ما هو قراءة للوضع، وهذا ما كان يفعله نجيب محفوظ في رواياته بكل سهولة، ففي تلك الفترة التي ظهر بها محفوظ وظهرت كتبه كان الوطن العربي لا يزال في طور التخلص من حالة الاستعمار التي طالت أغلب أراضيه، الجميع كان شبه مُتخبط، وأعداد القراء الحقيقين كانت شبه مُعدمة، وهذا طبعًا لا يعني أنه لم يكن هناك أي كُتاب في هذه المرحلة، وإنما فقط لم يكن ثمة كتاب قادرين على انتشال المثقف العربي من هذا الوحل، لكن محفوظ برواياته تمكن من تحقيق هذه المعادلة.

فكرة المثقف المصري عن الثقافة كانت تتمثل في قراءة الجرائد الورقية، كانت هذه القراءة هي غاية ما يفعله، وكان نادرًا ما يُمسك بكتاب لطه حسين أو العقاد، أو يقرأ مثلًا ديوان شعر لأحمد شوقي أو البارودي، أما الروايات، والتي كانت تحمل فكرًا حقيقيًا، فكنت شبه مُعدمة، حتى جاء محفوظ حاملًا على عاتقه مسئولية الخروج من هذا النفق الأشبه بالمُظلم، وبالفعل نجح في ذلك، سواء في رواياته أو أفلامه التي كان يكتبها بنفسها ويضع فيها خلاصة فكره أيضًا.

تحويل أغلب روايات نجيب محفوظ إلى أفلام ومسلسلات

من أهم المقاييس التي يُمكن القول أنها سببًا مباشرًا في وضع نجيب محفوظ على القمة وجعله يُنافس على جائزة نوبل أن كافة الأعمال التي كتبها دخلت في طور التنفيذ السينمائي أو التلفزيوني، ونسبة لا تقل عن خمسين بالمئة من هذه الأعمال تم تنفيذها بالفعل وأصبحت علامات ناجحة في تاريخ السينما المصرية، وهنا يبرز ذكاء محفوظ وإصراره الشديد على جذب الجميع إلى عالمه الخاص، فحتى لو لم يستطع أن يجعل الناس يقرؤون ما كتبه فإنهم لن يقدروا على مقاومة مشاهدة أفلامه ومسلسلاته التي غزت كل بيت، وهذا يعني أن مشروعه في النهاية سيكتمل، مهما كانت الطريقة ففي النهاية سيكتمل، ونوبل يا سادة عندما تنظر إلى أديب وتُفكر في منحه جائزة نوبل فإن شرطها الأول يكون امتلاك ذلك الأديب لمشروعه الأدبي المُكتمل، هل لا زلتم حتى الآن تجهلون سبب حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل وكونه العربي الوحيد الذي حقق هذا الإنجاز؟ ببساطة لأنه كذلك العربي الوحيد الذي امتلك مشروعًا أدبيًا كاملًا.

Exit mobile version