الرئيسية الحقائق التاريخ لماذا يعد فتح مكة حدث بارز في التاريخ الإسلامي القديم؟

لماذا يعد فتح مكة حدث بارز في التاريخ الإسلامي القديم؟

0

فتح مكة هو أحد الغزوات التي قادها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وجرت وقائعها في العشرين من شهر رمضان بالعام الثامن حسب التقويم الهجري الموافق يناير من عام 630 ميلادية. يعد فتح مكة هو الفتح الأعظم والأهم الذي مَنّ به المولى عز وجل على رسوله والمسلمين معه، ويرى المؤرخون أن ذلك الفتح كان بمثابة نقطة فاصلة في مسيرة الدعوة وإحدى النقاط الفاصلة في التاريخ الإسلامي.. ترى لماذا ؟ وما أبرز الآثار التي تحققت من هذا الفتح؟

النتائج المترتبة على فتح مكة :

اعتبار فتح مكة أحد أبرز وأهم الأحداث في مسيرة الدعوة لدين الله الحق لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة ما كان لتلك الموقعة من تأثير بالغ ومباشر على المسلمين الأوائل ومن أبرز مظاهر ذلك التأثير الآتي:

استرداد الأرض المباركة :

تحتل مكة المكرمة مكانة خاصة في نفوس كل مسلم حيث أنها مهد الرسالة وموضع أداء فريضة الحج وبلدة الرسول الأمي محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، ومن فوائد فتح مكة والآثار المباشرة التي ترتبت عليه هو أنه كان بمثابة عملية تخليص لتلك البقعة المباركة من الأرض من أيدي المشركين.

حيث أن من الثابت في السنة النبوية أن من أوائل الأعمال التي قام بها الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام بعد فتح مكة القيام بتحطيم كافة الأصنام المتواجدة في نطاق الكعبة المشرفة، كما أن الصحابي الجليل بلال بن رباح -مؤذن الرسول- قد اعتلى الكعبة وردد الأذان فكان الفتح بذلك بمثابة إعلان عن انقضاء عصر الشرك والخرافات وابتداء عصر التوحيد والتنوير في مكة المكرمة.

منح الحرية للمسلمين الأوائل :

قبل فتح مكة كان يعاني المسلمون الأوائل من اضطهاد أباطرة الكفر من أسياد قريش، حيث كانوا يروعون من أعلنوا إسلامهم مع نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم وينزلون بهم العذاب في محاولة لإجبارهم على الارتداد عن دين الإسلام والعودة إلى الشرك والعياذ بالله، وقد تسبب ذلك في تخوف البعض من اعتناق الإسلام رغم رغبتهم في ذلك ومنهم من أسلم سراً وخشى أن يُعلن إسلامه حتى لا تعذبه قريش.

من فوائد فتح مكة المبارك أنه رفع سيف قريش المسلط على أعناق المسلمين خاصة من الفئات المستضعفة مثل العبيد والفقراء، حيث أن بعد الفتح لم تعد للقبائل المشرِكة الكلمة العليا في المنطقة العربية كما كان الحال في السابق، وبالتالي تحرر الجميع من خوفهم وأصبح الراغب في اعتناق الإسلام لا يخشى من بطش قريش وغضب ساداتها.

تحطيم أسطورة قريش للأبد :

كانت قبيلة قريش هي صاحبة الكلمة العليا في شبه الجزيرة العربية بالكامل ونفوذها لم يكن يقتصر على مكة وحدها، بل أن جميع قبائل العرب في ذلك الزمان كانت ترهب قريش وتتجنب إغضابها حيث أن قريش كانت تمتلك مقاليد حركة التجارة وكانت تمثل عصب الاقتصاد في المنطقة العربية، كما أنها كانت تمتاز بالقوة العسكرية لما تمتلكه من فرسان وعتاد وبالتالي كان الدخول في حرب معها ليس بالأمر الوارد بالنسبة لأغلب القبائل الأخرى.

من أبرز فوائد فتح مكة أنه أحدث تغيراً جذرياً في الثوابت الاجتماعية والسياسية التي كانت سائدة في شبه جزيرة العرب في تلك الفترة وفي مقدمتها انهيار أسطورة قريش بشكل تام ونهائي، وقد كانت زعزعة موقعها في قلب الجزيرة أحد أسباب الحروب بين قريش والمسلمين، حيث أزال هذا رهبة القبائل العربية ومن ثم توافدوا على الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وأعلنوا انضمامهم إليه واعتناقهم دين الإسلام، وذلك وفق ما رواه الصحابي عمرو بن سلمة وتم ذكره في صحيح البخاري.

مكانة وشرف خدمة بيت الله الحرام :

تحتل الكعبة المشرفة مكانة عظيمة في نفوس العرب منذ أن أقيمت حتى أن خدمتها والقيام على حفظها وحمايتها كان شرفاً عظيماً حتى قبل أن يبعث الرسول الكريم بالرسالة، بل أن خدمة الكعبة كانت أحد الأسباب التي منحت قريش الأفضلية في المنطقة العربية وساهمت بصورة مباشرة في احتلالها تلك المكانة الرفيعة التي كانت تحظى بها، إلا أنها دنست محيط الكعبة المشرفة بكفرها حيث اتخذته مركزاً لعبادة الأصنام من دون الله الواحد الأحد.

اختلف الأمر كثيراً بعد فتح مكة حيث تم تطهير محيط الكعبة من الأصنام -كما ذكرنا- ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أن من فوائد الفتح المبارك أيضاً أنه جعل حماية البيت الحرام من المهام الموكلة إلى المسلمين، حيث قاموا على رعايته وحماية الكعبة والحجر الأسود والإشراف عليه والعمل على تنظيم شؤونه، الأمر الذي عظم مكانتهم عند العرب واحتلوا المكانة التي اغتصبها أباطرة قريش لسنوات طويلة، كما أن إشراف المسلمين على الكعبة خلصهم من الأذى والمضايقات التي كانوا يتعرضون لها كلما أرادوا أداء العمرة أو الحج لله عز وجل.

فتح مكة لم يكن سوى بداية :

من أعظم فوائد فتح مكة أنه وفر للأمة الإسلامية الهدوء والاستقرار وهو أمر لم يكن متوفر بعد الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة، حيث أن خلال تلك الفترة انصب تركيز الرسول عليه الصلاة والسلام وصحابته على مناوشات قريش واضطهادها للمسلمين ممن لم يتمكنوا من الهجرة، كما شهدت تلك الفترة العديد من الأحداث البارزة والمؤثرة في مسيرة الدعوة مثل صلح الحديبية وغير ذلك، لكن بعد الفتح المبارك تم القضاء على مركز الشرك في منطقة الجزيرة العربية وبالتالي كف أذى القبيلة الأقوى والأكثر عداءً للإسلام والمسلمين والتي كانت تشكل خطراً حقيقياً.

بعد فتح مكة استقامت الأمور وانتهت مرحلة صراع المسلمين مع قريش مما أتاح الفرصة أمامهم للاهتمام ببناء الدولة وتجهيز الجيش وتوفير العتاد اللازم له، كما تم اتخاذ مكة المكرمة مركزاً لنشر الدعوة في مختلف بقاع الأرض، ومنها انطلق الرسل إلى الممالك يدعون الأمم المختلفة إلى الإسلام، ومنها أيضاً انطلقت الجيوش الفاتحة في زمن الرسول وكذلك في عهد الخلفاء الراشدين من بعده وخاصة عهد الفاروق أمير المؤمنين  عمر بن الخطاب الذي تضاعفت خلاله مساحة الدولة الإسلامية.

إظهار مبادئ الإسلام وخُلقه :

تأثير فتح مكة لم يقتصر على الجانب السياسي والعسكري فحسب، أي أن النتائج المترتبة عليها لا تتمثل فقط في تبديل توازنات القوى في المنطقة العربية والقضاء على سيطرة القبيلة الأقوى وغير ذلك، بل أنه كان دليلاً قاطعاً على سماحة الإسلام ومبادئه وسعيه إلى نشر السلام والخير، ويتجسد ذلك في موقف النبي الكريم عليه الصلاة والسلام من كفار قريش ممن لم يتوانوا في أذيته وأذية أصحابه وكل شخص راغب في اعتناق الدين الحنيف، فحين تبدلت الأحوال وأصبح للإسلام الكلمة العليا ارتجفت قلوب الكفار وظنوا أن جيش محمد سوف يُنكل بهم، لكن المفاجأة أن النبي عليه الصلاة والسلام قد أعفى عنهم بقوله: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

خاتمة :

فتح مكة يعد أحد أبرز الأحداث في مسيرة نشر الدعوة إلى الإسلام وذلك لما كان له من أثر عظيم في تقرير مصير الأمة الإسلامية، حتى أن دراسة التاريخ تخبرنا بأن الأحداث البارزة في التاريخ الإسلامي على امتداده -بداية من عهد الرسول وطوال عهود الخلفاء الراشدين- يمكن القول عنها بأنها توابع أو نتائج جاءت مترتبة على ذلك الفتح المبارك.

Exit mobile version