الرئيسية الدين لماذا تم تحريم الانتحار في الإسلام واعتباره من الكبائر؟

لماذا تم تحريم الانتحار في الإسلام واعتباره من الكبائر؟

0
لماذا تم تحريم الانتحار في الإسلام

تحريم الانتحار جاء في الإسلام صريحاً واضحاً، شأنه شأن تحريم الخمر وتحريم الميسر وتحريم السرقة، إذ ورد تحريم الانتحار بأكثر من موضع بآيات القرآن الكريم، وكذلك جاء ذكره بعدد من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، التي رواها الإمامان البخاري ومسلم وضمناها إلى صحيحهما، ويُعد قتل النفس -وفقاً للشريعة الإسلامية- أحد كبائر الذنوب، وبحسب ما ورد بشروح الفقهاء وتفاسير المفسرين، فإن الشخص الذي يُقدم على ارتكاب هذا الفعل أي قتل نفسه، عقابه في الآخرة أن يصلى نار جهنم خالداً فيها.. فترى ما الأسباب التي تم تحريم الانتحار بناءً عليها؟، وما سر تغليظ عقوبته إلى هذا الحد؟..

تحريم الانتحار في الإسلام :

تحريم الانتحار -كما ذكرنا سلفاً- جاء صريحاً في الإسلام، أي أنه من الأمور مؤكدة التحريم، وذلك لا يقبل التأويل والتفسير ولا يرتقي إليه الشك، وعدد المفسرين والفقهاء الأسباب التي تم بموجبها تحريم الانتحار ،والتي يمكن أن نوجزها في الأسباب التالي ذكرها.

1- الانتحار يأس من الرحمة :

يقول المولى عز وجل في مُحكم آيات ذكره الحكيم، ما يُعني أن اليأس والقنوط من اشتمال الله للإنسان بالرحمة، من الأفعال التي تجعله قد سقط في فخ الكفر ولعياذ بالله، بقوله في سورة يوسف “لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون”، كما جعلها صفة من صفات الواقعون في خطيئة الضلال أيضاً، ففي سورة الحجر ورد قوله عز وجل “ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون”، ومن ثم يمكننا استنتاج سبب آخر لـ تحريم الانتحار في الإسلام، وهو أن الإقدام على إهلاك النفس وقتلها عمداً، يعني أن المرء قد ارتكب جُرماً آخر وإن لم يُدرك ذلك صراحة، ألا وهو الضلال أو الكفر الناتجان عن قنوطه من رحمة ربه، إنما المسلم يجب أن يؤمن بأن الله مطلعاً عليه علمياً بأحواله رحيماً به، ولذا حين تحيق به الشدائد وتلم به المصائب، عليه أن يتوجه إليه بالدعاء طالباً العون والرحمة، لا أن يقنط من ذلك ويُهلك نفسه بيده عن طريق الانتحار.

2- الإنسان ملكاً لخالقه :

بحسب الشريعة الإسلامية فإن الإنسان ملكاً لخالقه، ومن ثم فإنه لا يحق له أن يتصرف فيما يملك، وهذا القول يُرّد به على من يتحذلقون، ويدعون بإن تحريم الانتحار يتنافى مع مبدأ الحرية، ومن المعلوم أن الإسلام قد كفل الحرية للجميع، بل أنه قد كفلها حتى لغير المسلمين، لكن هلاك النفس لا يمكن -بأي حال- أن يدخل ضمن مبدأ إقرار الحرية، فالمولى عز وجل هو خالق الإنسان ومالكه، هو من خلقه وهو من يتوفاه في الوقت المعلوم لانقضاء أجله، ثم يحاسبه يوم القيامة ويجازيه بحسب عمله، ولهذا جاء تحريم الانتحار ضمن قواعد وضوابط الشريعة الإسلامية.

3- الانتحار إذعان للشيطان :

الشيطان هو عدو الإنسان المتربص به دوماً، كما ورد بأكثر من موضع من القرآن الكريم، وكما ذُكر بعدد من أحاديث الرسول الأمي عليه الصلاة والسلام، فمن بين أسباب تحريم الانتحار ،هو أنه يأتي كنتيجة لوساوس الشيطان للقلوب ضعيفة الإيمان، قليلة الوصل مع خالقها عز وعلا.. فأطباء النفس يرون أن المشاعر السلبية التي تنتاب الشخص، مثل القلق والتوتر وحالات الاكتئاب الحاد، هي المسبب الرئيسي لحالات الانتحار، والشيطان هو من يدفع الإنسان إلى مثل هذه المشاعر، فالله تعالى يقول بسورة البقرة “الشيطان يعدكم الفقر”، وفي ذات الآية نجد قوله تعالى “والله يعدكم مغفرة منه وفضلا”، ومن ذلك القول نستنتج إن من يقدمون على قتل أنفسهم، هم أسلموا عقولهم وقلوبهم لوساوس الوسواس الخناس، فوعدهم بالفقر وصدقوا وعده فانجرفوا إلى اليأس والقنوط، ولإن القنوط والإيمان لا يجتمعان في قلب رجل واحد، كان بديهياً أن يتم تحريم الانتحار في الدين الإسلامي.

4- عدم الثقة بالله :

المسلم يؤمن بأن كل شيء في هذه الحياة هو دون قدرة العلي القدير، ومن ثم لا يجب عليه الاستسلام إلى الضغوط أو البلاء، كون هذه الأمور التي تعكر استقرار حياته وصفوها، لأن الله عز وجل قادر على تبديل الأحوال وتفريج الكرب والهم عنه، ولذلك في مثل هذه المواقف عليه اللجوء إلى ربه واستغفاره، كي يعفو عنه ويتم نعمته عليه ويشتمله برحمته، أما الانتحار فهو على النقيض من ذلك تماماً، ويعني –بشكل أو بآخر- عدم ثقة الإنسان في قدرة الله ورحمته، ولهذا تم تحريم الانتحار في أحكام شريعة الدين الإسلامي، حيث أن ذلك الجُرم يتنافى مع مبدأ الثقة بالله، والتي تعد من أفضل العبادات وأسس الإيمان الصحيح بالله الواحد الأحد.

5- عدم الرضا بقضاء الله وقدره :

تحريم الانتحار بحسب الدين الإسلامي، جاء لأن هذا الفعل المُجرّم لا ينتج إلا ترتيباً على جُرم آخر، ألا وهو التمرد -ولعياذ بالله- على المولى، فإن المنتحر بإقدامه على إنهاء حياته بيده، يكون متمرداً على قضاء الله وغير راضياً بقدره، ومن المعلوم والبديهي أن الرضا بقضاء الله وقدره، من الركائز الإيمانية في الدين الإسلامي، ولهذا تم تحريم الانتحار باعتباره فعل يتنافى مع تلك الركيزة الأساسية.

6- عدم الصبر على البلاء :

أيضاً من الأسباب التي جاء بموجبها تحريم الانتحار ،أنه يعد من ضمن الأفعال التي تتنافى مع المنهج الذي وضعه الله لعباده، والذي يعتمد بصفة أساسية على الصبر.. فصفة الصبر قد وردت ضمن آيات القرآن الكريم في مواضع عديدة، وهو الطريقة الأمثل لمواجهة الصعاب والمشكلات والمعيقات في الحياة، لقوله تعالى في مُحكم آياته “واستعينوا بالصبر والصلاة…”، أي أن الصبر آداة يستعان بها لتحقيق الهدف أو الغاية، والتي هي تجاوز المحنة أو العقبات التي تعترض حياة الإنسان، ولكن تجدر بنا الإشارة هنا إلى أن الصبر لا يعني السلبية، أي أن تحقيق الغاية المنشودة هنا، تستوجب أن يقترن الصبر على البلاء الذي وقع على المرء، بالسعي والرغبة الحقيقية في اجتيازه، وذلك عن من خلال التوكل على الله والبحث عن الحلول الممكنة

7- الاعتداء على النفس :

تحريم الانتحار بمقتضي قواعد الدين الإسلامي، يأتي ضمن سلسلة طويلة من المفاهيم والقواعد، التي كرمت النفس البشرية وارتقت بمكانتها، فقد حَرّم الله عز وجل جريمة القتل، وزهق أرواح الناس بالباطل، وغلظ عقوبة هذا الفعل سواء في الحياة الدنيا أو في الحياة الآخرة.. كل هذا يبرهن لنا على مكانة النفس في العقيدة الإسلامية، وكيف تعتبر الحياة منحة إلهية لا تقدر بثمن، وبالتالي فإن إهدارها يعد ذنباً وإثماً عظيماً، فحرمة الاعتداء على الذات لا تختلف عن الاعتداء على الآخرين، بل إن بعض علماء الدين والفقهاء عَدّوا الاعتداء على الذات أشد ظلماً وفجوراً.

الانتحار والهلاك والعلاقة بينهما :

بعض الفقهاء ورجال الدين عددوا أشكال الانتحار، ومنهم من ذهب لاعتبار إلقاء النفس بالتهلكة انتحاراً، باعتبار أن ذلك الفعل أيضاً منهي عنه بموجب نص قرآني، وقالوا بأن الانتحار هو إقدام الإنسان على ارتكاب فعل، وهو يعلم يقيناً بأن ذلك الفعل سيقوده إلى حتفه، حتى وإن كانت تلك النتيجة لن تتحقق في الحال، وعليه اعتبروا التدخين -كمثال- أحد أشكال الانتحار، والأمر نفسه ينطبق على تناول المشروبات الكحولية، وكافة الأفعال المعلوم مسبقاً أنها مهلكة للإنسان مسببة لوفاته.. هناك آراء أخرى ترى أن في ذلك شيء من الغلو، أما المتفق عليه هو تحريم الانتحار ،وإن إهلاك النفس والقضاء عليها عِمداً كبيرة من الكبائر.

Exit mobile version