الرئيسية الصحة لماذا نتذكر بعض الأحداث القديمة ونعجز عن تذكر الحديثة؟

لماذا نتذكر بعض الأحداث القديمة ونعجز عن تذكر الحديثة؟

0

مما لا شك فيه أن تذكر بعض الأحداث القديمة أمر جيد، فهو يعني أن كل ما يحدث في حياتنا لا يكون طي النسيان كما هي العادة، لكن الذي يُثير جنون البعض ودهشتهم تلك القدرة الغريبة على تذكر بعض الأحداث القديمة جدًا والعجز عن تذكر أحداث جديدة ربما لم يمر على وقوعها أكثر من ساعات قليلة، أمر مُدهش بكل تأكيد يجعلنا نتساءل عن السبب خلفه بكل حماس، لكن إليكم ما هو أكثر دهشة من كل ذلك، فالبعض منا يا سادة يمتلك القدرة على تخليد حدث معين في ذاكرته للأبد حتى ولو كان في سن الستين وذلك الحدث قد وقع في سن السادسة، ولهذا فإن أغلبنا الآن على الأرجح يدور في ذهنه سؤال واحد هام للغاية، وهو لماذا نتذكر الأحداث القديمة جدًا بينما نعجز عن تذكر أخرى حديثة؟ عمومًا لا داعي للجنون فالإجابة قادمة إليكم في السطور القليلة المُقبلة، فهل أنتم مستعدون لمعرفتها؟

وجود ما يُعرف بقصر الذاكرة في الرأس

بالمناسبة أنتم للتو قد قرأتم كلمة قصر بصورة خاطئة، فنحن لا نقصد تلك الكلمة الموجودة الكسرة تحت قافها وتأتي من التقصير، وإنما كلمتنا التي نعنيها هي التي تتواجد الفتحة فوق قافها وتعني ذلك المكان الكبير العظيم الذي يسكن فيه الملوك والحكام، أجل، نحن بإمكاننا بناء قصر كبير في رأسنا يُطلق عليه قصر الذاكرة، ذلك القصر تعيش فيه أغلب ذكرياتنا السيئة والجيدة، تعيش فيه حياة كاملة، بإمكاننا استعادة تلك الذكريات في أي وقت فقد بمجرد الولوج إلى ذلك القصر، وإذا كنتم تعتقدون أن هذا الأمر يبدو مُبالغًا فيه دعونا نخلق لكم مُحاكاة لما نتحدث عنه، ركزوا انتباهكم على سنة من السنوات ثم ابدأوا في تذكر حدث ما بها، ستجدون أحداث تلك السنة أمامكم وكأنها تقع الآن بكل سهولة.

فكرة قصر الذاكرة ليست مجنونة كما قد يظن البعض من طريقة حدوثها، فأغلب العباقرة يستخدمون هذه الطريقة في إنجاز الكثير من الأمور الهامة لهم، الفارق بين البشر أو التفاوت الشديد في التذكر يكون نتيجة لقدراتهم على الولوج إلى ذلك القصر، فليس جميعنا يمتلك إذنًا بالدخول إلى قصر ذاكرته بهذه السؤال، لكن الأمر الوحيد المؤكد أنه ثمة قصر موجود فعلًا، وهو سبب رئيسي في تذكر الأحداث القديمة والإخفاق عن تذكر الجديدة نظرًا لعدم تواجدها داخل القصر.

ارتباط الأحداث القديمة بالروائح

ثمة معلومة ربما لا يعرفها الكثيرون، وهي أن صندوق الروائح موجود بالقرب من مكان الذاكرة داخل الرأس، بمعنى أكثر دقة، أكبر فرصة قد تحصل عليها من أجل التذكر تكون في ذلك التوقيت الذي تشم فيه رائحة شيء مميز، فتلك الرائحة ترتبط عادةً بشيء ما في الذاكرة، هذا الشيء لن تتذكره في حالة عدم وجود الرائحة، كالمرحاض مثلًا، فإذا كنت معصوب العينين فلن تعرف أنك في المرحاض إلى من خلال الرائحة، والبحر كذلك، وأسماء المأكولات التي لا يُمكن تذكرها إلا عندما نشتم رائحتها أولًا، هكذا يتم الأمر بكل بساطة.

الأحداث القديمة المرتبطة بالروائح تكون أسهل في التذكر حتى ولو مر عليها عشرات السنوات، خاصةً إذا كنت تلك الأحداث قديمة جدًا ورائحتها شبه متكررة، ففي حالة كون الرائحة جديدة والحدث جديد سيكون من الصعب بعض الشيء تذكره، وهذا ما يجعلنا نتذكر القديم وننسى الجديد بكل بساطة، لكن هل هذان السببان فقط هما ما يجعلنا نتذكر الأحداث القديمة بكل هذه السهولة؟ بالتأكيد لا، فهناك أيضًا ذلك السبب المتعلق بكون الحدث بارزًا أم لا.

تركيز المخ على الأحداث القديمة البارزة

الأحداث القديمة قد تجد سببًا آخر يجعلنا نتذكرها ولا نتذكر تلك الجديدة التي ربما لم يمضي عليها الكثير من الوقت، هذا السبب يتعلق بصورة شديدة بذلك الحدث الذي نتذكره، ففي تاريخ العقل البشري هناك أحداث بشرية معينة لا يُمكن نسيانها لأي سببٍ من الأسباب، فمثلًا تلك المرة الأولى التي تعرض فيها الشخص للضرب، أو دق قلبه وسقط في الحب، أو الأحداث المأسوية التي لا تتكرر كثيرًا، كل هذا يا سادة ليس سهلًا بالمرة على المخ والذاكرة بشكلٍ عام، وهذا ما يجعله للمفارقة سهل التذكر، وكأن ذلك الحدث القديم البارز يرفض أن يغادر المخ حتى مع مرور الكثير من السنوات عليه.

قدرة المخ على تذكر الأحداث القديمة البارزة لا تتماشى أبدًا مع عجزه عن تذكر حدث جديد فقط لمجرد أنه قد وقع في ظروف طبيعية، أو أنه في الأساس كان مجرد حدث عادي لا شيء مميز به، وهذا ما يجعل من تذكره أمر صعب حتى ولو كانت المدة التي مرت على حدوثه يوم واحد فقط أو مدة أصغر من ذلك، وقد يعتقد البعض أن هذا السبب غريب بعض الشيء إلا أنه لن يبدو كذلك عندما نسترجع الأحداث البارزة في حياتنا ونرى كم هي هامة وفارقة إلى الحد الذي يجعل من مفارقتها لأذهاننا أمر شبه مستحيل.

حدوث أحداث مُشابهة للقديمة

كذلك من الأسباب الشديدة التي تجعلنا نتذكر الأحداث القديمة ولا نتذكر ربما الجديدة أن الأحداث القديمة قد وقع ما يُشبهها بطريقةٍ ما، ويعني ذلك ببساطة أن يكون هناك حديث قديم تم حفره بالذاكرة من خلال حدث جديد مماثل له، وإذا أردنا مثالًا على ذلك دعونا نُقرب لكم الأمر من ناحية الأشخاص، فبالطبع الكثير من الأشخاص يمرون في حياتنا ولا يُمكنا بأية حالٍ من الأحوال تذكرهم جميعًا، لكن، في لحظة من اللحظات قد نتذكر أحدهم فقط لأننا قد رأينا شخص يُشبهه، فمجرد رؤيتنا للشبيه أعاد إلينا شخص قديم وربما حدث قديم مرتبط به، حتى عندما ندخل مكان ما ونراه على صورة معينة فإننا قد نتذكر حدث آخر قد وقع في مكانٍ آخر يُشبه ذلك المكان الذي نتواجد فيه الآن.

تتضح هذه الطريقة أكثر في الجرائم، فلكي يتذكر المجرم كافة التفاصيل الخاصة بجريمته فإن جهات التحقيق تُجبره على إقامة مُحاكاة كاملة لهذه الجريمة يكون الهدف منها الوصول إلى التفاصيل، وغالبًا ما تنجح هذه الطريقة لسبب بسيط جدًا، وهو أن الحوادث المشابهة تساعدنا فعلًا في تذكر الأحداث القديمة، لذلك إذا مررت بهذه التجربة وتذكرت حدثًا قديمًا فلا تتعجب أبدًا أو تعتقد أنك تمتلك ذاكرة مميزة، كل ما هنالك أنك تعرضت لما ذكرك بهذا الحدث القديم.

عزم الناس على تذكر الحدث القديم لأهميته

طبعًا الجميع يقول بأن النسيان أمر ليس بأيدينا، عندما نُحب ويضيع منا ذلك الحب فلا يُمكننا أن ننسى من كنا نُحب بسهولة، الأمر يا سادة يحتاج إلى وقت ومجهود كبيرين، والأمر نفسه ينطبق على التذكر، فليس كل حدث يقع معنا يُمكن أن نتذكره لفترة طويلة، بل يُمكن القول أن ثمة بعض الأحداث التي تتبخر من الرأس في نفس توقيت حدوثها، كأن تسمع كلمة ما ولا تُعاد على مسامعك مجددًا، أو ترى شخص ما لم تراه من قبل ولن تراه مرة أخرى، كل هذه أحداث تتبخر في نفس لحظة حدوثها، لكن بالرغم من ذلك هناك بعض الأحداث القديمة التي لا تتبخر مثل سابقتها، وإنما تبقى عالقة في الرأس ربما بصورة أبدية، وهنا تتدخل أمور أخرى مثل الرغبة والعزم والإرادة.

ذاكرة الإنسان في الأصل مُبرمجة على عدم طاعته، بمعنى أنها لا تتذكر وتنسى حسب هوى صاحبها، لكن يحدث في بعض الأحيان أن يقع أمر ما على الشخص ويرغب رغبة شديدة في تذكره، وهنا الأمور سوف تختلف، وربما يقوم المخ بتدوينها في الذاكرة كحدث خالد، مثال ذلك لحظات الفرح والانكسار، فبالرغم من أنها لحظات خاطفة مثل أي لحظة أخرى إلا أنها تعلق في الذاكرة لأنك يا صاحب الذاكرة تُريد بشدة الاحتفاظ بها في ذاكرتك.

دخول المشاعر في بعض الأحداث القديمة

هناك قاعدة يجب على الجميع معرفتها قبل أي حديث في مسألة التذكر والنسيان هذه، هذه القاعدة تقول ببساطة أن أي حدث يرتبط بالمشاعر يُصبح حدثًا خالدًا في الذاكرة، وبتحديدٍ أكثر، المشاعر الجياشة التي تأتي بشحنات أكبر من المعتاد غالبًا، كمثال يوم وفاة شخص عزيز عليك وليكن والدتك، من المستحيل أن تنسى أي تفصيله في هذا اليوم حتى لو مضى عليه عشرات السنين، وعلى الجانب الآخر، لن تنسى أيضًا يوم سعيد مثل يوم زفافك، لكن دعونا نفترض أنك قبل ساعة واحدة حضرت وفاة أحد أصدقائك أو حفل زفافه، هل تستطيع تذكره بالرغم من قرب وقوعه؟ الإجابة لا بكل تأكيد، والسبب ببساطة أن الحدث لم يرتبط بأي مشاعر حقيقية يُمكن أن تمنحه تذكرة المرور إلى ذاكرتك العتيدة.

لكي نُزيد الأمر غرابة، الأحداث التي تدخل فيها المشاعر تُحفظ حتى لو لم يرغب صاحبها في حفظها، فإذا سألت أي شخص عن وفاة والدته مثلًا فسيقول إن أكثر شيء يتمناه أن ينسى ذلك اليوم لما وجده فيه من ألم شديد، لكنه بالرغم من ذلك لن يستطيع نسيانه مهما فعل لسبب بسيط جدًا، وهو أنه ارتبط بالمشاعر، والمشاعر لا تتوقف أبدًا على أبواب الذاكرة، وقِس على ذلك كل لحظة حزن وضعف وانكسار تُريد نسيانها ولا تستطيع تحقيق ذلك المراد.

قوة الذاكرة قديمًا وضعفها حاليًا

لعل بعضكم يندهش عندما يجلس مع شخص كبير في السن، ستيني أو سبعيني، ثم يسمعه يتحدث عن وقائع مر عليها أكثر من خمسين عام، وبالرغم من أنها أحد الأحداث القديمة جدًا إلا أنه يتذكرها بالتفصيل ويتذكر كل شيء يُصاحب هذا الحدث، الدهشة هنا ليست في تذكر هذا الرجل للأحداث القديمة التي وقعت معه، وإنما أيضًا لأنه قد نسى اسم الشخص الذي ألقى عليه السلام قبل دقائق قليلة، ببساطة، يُمكن لهذا الرجل تذكر حدث مر عليه خمسين عام ولا يتذكر حدث آخر لم تمر عليه فترة تزيد عن خمس الدقائق، أترون أين تكمن المفارقة ولماذا قلنا في البداية أن الأمر مدهش بكل تأكيد!

مثل هذا السبب يُمكن تبريره ببساطة على أن الذاكرة كانت لدى ذلك الشخص فيما مضى قوية للغاية، ثم بعد ذلك ضعُفت حتى وصلت إلى هذه الحالة، بيد أن المخ البشري لا ينسى أبدًا، فما حدث وقت قوة الذاكرة لا يزال حاضرًا كما هو، أما ما يحدث الآن وقت ضعف الذاكرة فهو الذي يضيع هباءً ويُنسى بأسرع وقت، هذا هو الأمر باختصارٍ شديد.

Exit mobile version